منذو مايقارب عشرة أعوام وأنا على مقاعد الدراسة في مرحلة الماجستير في أصول التربية الإسلامية بجامعة أم القرى وأثناء اطلاعي على بعض المراجع التأصيلية في التربية شدني مؤلف(لامصلحة من ذكراسمه) وهويتحدث عن التربية الدولية كما سماها ويكيل المديح لها وكأنها فتح عظيم فُتح على البشرية ليس له مثال سابق وهي نقطة التحول وهي الأساس التشريعي الذي يجب أن نتحاكم إليه ونثني الركب في دواووين الأمم المتحدة لنتعلم منها ثقافة حقوق الإنسان
وكالعادة وباندفاع وحماس الشباب استهواني هذا الموضوع للبحث فيه بعمق فكري وتأصيل شرعي وعلمي على أسس ومناهج البحث التربوي والعلمي فقررت الكتابة وكانت باكورة ذلك رسالة ماجستير بعنوان حقوق الإنسان التربوية والتعليمة والثقافية في المواثيق الدولية دراسة ناقدة من وجهة نظر التربية الإسلامية
في عام ١٤٢٤ه
وللحق فإنني تعلمت من هذه الدراسة التأصيل الشرعي والإنصاف الفكري والوعي الثقافي من خلال انفتاحي ثقافياً وعلمياً على الثقافات الأخرى ، كما تعلمت فنون الحوار العلمي والإقناع العقلي ، والوعي والإدراك لدورنا الفعلي في البناءالثقافي العالمي ، بل وتعلمت فنون التعايش الواقعي وتنوع الثقافات بل والأهم من ذلك أنني تعلمت الإعتزاز بالتربية الإسلامية والإفتخار بها وبمثاليتها الواقعية في كل تفصيلاتها
وبعيداً عن الإنحياز وبموضوعية باحث تربوي مسلم يمكنني القول إن التربية الإسلامية تربية فريدة في تشريعها لحقوق الإنسان والتربية عليها، ولا أقول هذا القول من فراغ أو من نافلة القول كما يقول البعض بل ذلك نتاج عدة دراسات وبحوث علمية بدأتها برسالة ماجستير مطبوعة وختمتها برسالة دكتوراه بعنوان (( مقرر جامعي مقترح قائم على التصور الإسلامي لتنمية ثقافة حقوق الإنسان لدى طلاب التعليم العالي عام ١٤٣٤ (وهي الآن تحت الطبع) مع عدد من البحوث الأخرى ولعل أهمها إنسانية الإنسان في التربية الإسلامية
تتبعت التاريخ الدولي من أوله في المجتمعات البدائية والحضارة اليونانية الى الحضارة الرومانية والحضارة الأوربية والعهد الأعظم ووثيقة الأمم المتحدة وإعلان إستقلال الولايات المتحدة والإعلانات الفرنسية لحقوق الإنسان والإتفاقيات الأوربية لحماية حقوق الإنسان إلى العصور الوسطى مروراً بالعصر الإسلامي حتى الحضارة المعاصرة .
مستعرضاً المواثيق الخاصة بكل حضارة كالألواح الأثنى عشرية وحقوق العمال والمواثيق الدولية والمعاهدات والإتفاقيات الخاصة والعامة والإعلانات الدولية وباكورتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام ١٩٤٨م والذي صادقت عليه معظم الدول واستمروافي كتابته وصياغة بنوده مايقارب أربعة أعوام والذي يُعد المرجع الأساسي والمشّرع الأوحد لحقوق الإنسان ومع كل ذلك فبها من النقص والتناقض والبعد عن الواقعية والخلل في البنية الفكرية الشئ الكثير ولعلي أضع بين يدي القارئ الكريم جملة من نتائج دراساتي العلمية في هذا المجال ولعل أهمها مايلي:
١- أن للإسلام فضل السبق في تقرير حقوق الإنسان من أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان بمضمون وضمانات لم تصل إليها الإعلانات والمواثيق الدولية إلا في الآونة الأخيرة
٢-حقوق الإنسان في الإسلام أعمق وأشمل من حقوق الإنسان في المواثيق الدولية فحقوق الإنسان مصدرها القرآن والسنة وحقوق الإنسان في المواثيق الدولية مصدرها الفكر البشري والبشر مظنة الخطأ
٣-إن حقوق الإنسان في الإسلام لها صفة الإلزام لأنها من مقررات الدين
٤- حقوق الإنسان في الإسلام حقوق أصيلة لاتقبل حذفاً ولاتعديلاًولانسخاً إنها حقوق ثابته على مر الزمان فليس من حق بشر كائن من كان التعدي عليها أو تعطيلها بخلاف المواثيق الدولية التي توظف الحقوق فيها لخدمة أغراض وأطماع سياسية وإقتصادية وإجتماعية والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى
٥-إن حقوق الإنسان في الإسلام جديرة بالعالمية وهي كذلك لأنها ربانية المصدر في أسسهاومبادئها شاملة لكل أنواع الحقوق فهي من السعة والكمال مايستوعب حياة الإنسان من كل أطرافها
وأما أهم الماخذ على التشريع الدولي لحقوق الإنساني فيمكن إجمالها فيما يلي :
١-أنها تظمنت حقوقاً هي عدوان في حقيقتها ومن أمثلة ذلك اطلاق الحرية في الزواج دون قيد أو شرط.
٢- كما أنها أهملت الجانب الإجتماعي في مبادئ حقوق الإنسان مماتسبب في حدوث انحرافات أخلاقية كبيرة وذلك بسبب فساد منطلقاتها أصلاً وقد احتوت الدراسة على أمثلة لذلك
ولعل الباحث المتعمق بفكر يدرك أن سبب هذا الخلل والعيوب والتناقض في وثائق حقوق الإنسان كلها نابع من الخطأ الكبير ألا وهو عزل قضية الإيمان والتوحيد وعن قضية حقوق الإنسان وعن سائر قضاياهاولن تجد البشرية مخرجاً من التنافض الذي تعيش فيه إلا حين تعود إلى حضن الإيمان والتوحيد
وختاماً فأنني أوجه رسالة إلى كل من يتناول حقوق الإنسان سواءً في كتابته أو حواراته أو تناوله البحثي بإن يتناول الموضوع بعمق فكري وتأصيل شرعي ومنهجية علمية ذات بعد إنساني عميق بعيداً عن التسطيح المعهود فأول التنازلات الفكرية يقدمها من يتصدر للحديث عن حقوق الإنسان بدون وعي وبدون خلفية علمية تاريخية شاملة ولذا قد يقع في المحذور دون أن يشعر بل وقد تُعرض عليه أسئلة ولا يستطيع الجواب
وخاتمة القول فإن الشعارات المعلنة للمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان لم تنطلق من قوعد وأسس راسخة تحددمفهوم الشعارات المعلنة وخصائصها وامتدادها في حياة الإنسانية ولذلك فقدت البُعد الإنساني والعمق البشري وارتبطت بالنظرة القومية والإقليمية
ولذا تجد أغلب المتحدثين بها وفيها هم أرباب السياسة وروادها بعيداً عن الهم الشعبي
والحمد لله الذي جلعنا هداة مهتدين
والى لقاءعلمي قادم في الحق والإنسان والإنسانية
د /فهد غرم الله الزهراني
دكتوراه في التربية.
جامعة ام القرى
باحث تربوي في حقوق الإنسان
وزارة التعليم
((حقوق الإنسان بين المثالية الأممية المزعومة والتأصيل الشرعي التعايشي الموزون بميزان العدالة الشرعية ))،،،
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
