يبدو أن المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة السياسية الدقيقة في حياة العرب والمسلمين تحاول وضع خريطة تخرج بها الأمة من هذه المتاهة، التي تضافرت عدة عوامل محلية وخارجية لإدخالنا فيها.
والسعودية بما بذلته وتبذله، خاصة في الأشهر القليلة الماضية، من جهد لجمع الفرقاء ورأب الصدع بين الإخوة، هي «البيت» العربي المؤهل الوحيد لرسم خارطة طريق واضحة وصريحة وشجاعة لمعالجة الأوضاع العربية والإسلامية كافة، ووضع الحلول الملائمة والقاطعة لها، عبر رؤية استراتيجية موحدة يتفق عليها وعلى تنفيذها بقوة وصدق.
وأظنه قد بات واضحا أن ما يهدد أمن الأمة العربية ومستقبلها ليس انفجار الوضع الخطير في سوريا، الذي ينذر بتمزيقها إربا، ولا تعنت العدو الصهيوني ورفضه العنيد للسلام، ولا المناوشات المميتة في الصومال شرقا، بل ولا نذر الفتنة الشيعية ــ السنية التي أطلت برأسها القبيح بين إيران والدول العربية المختلفة، لأن كل ما ذكرناه من مظاهر الفتنة والاقتتال إنما هو انعكاسات سطحية لانشقاقات أعمق تنخر كيان الجسد العربي والإسلامي، تعمل القوى الخارجية المعادية على استغلالها وتعميقها واللعب على تناقضاتها، بما يؤدي في النهاية إلى تمزيق وتجزئة وتشرذم هذا الجسد من داخله، الذي يكتفي ــ مثل كل مرة ــ بالاقتصار على وصف مهدئات شفوية وشعاراتية فضفاضة، فلا فاعلية واقعية حقيقية وعملية لعلاج أي مشكلة.
هذه الخريطة ستكون بداية منهج جديد في أدبيات العمل السياسي الإسلامي العربي المشترك، وفاتحة عهد جديد في أسلوب عمل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، اللتين كان يغلب على قراراتهما الطابع العاطفي الانفعالي من ناحية، والرؤية التجزيئية الاختزالية من ناحية أخرى.
كان القادة العرب وقادة الدول الإسلامية يجتمعون في قممهم وهم تحت ضغط إلحاح مشكلة طارئة معينة، تختلف رؤاهم باختلاف مناهجهم السياسية، منهم من يلامس القضايا ملامسة إيديولوجية صارخة فينادي بمواقف جدية لا يتعدى تأثيرها السطح الغريزي للجماهير، ومنهم من ينادي بإعمال العقل ويقترح تفعيل الآليات السياسية كافة، وإدارة الصراع بحكمة وحنكة وفق الحقائق الواقعية على الأرض. وفي الواقع فإن الاختلاف كان في جوهره اختلاف عقليتين، إحداهما تكتيكية عاطفية آنية، وأخرى استراتيجية عقلانية مستقبلية تعمل على المدى البعيد.
وحين تفرض الأولى رؤيتها على القمم العربية والإسلامية، لم تكن السعودية تعمل على إجهاض ما أجمع عليه، رغم قناعتها بأنه لا ينسجم مع رؤيتها ومنهجها، بل تلتزم بما يفرضه الإجماع من التزامات عليها..لا تخرج على الإجماع، ولا تحاول فرض رؤيتها على أشقائها.. تناصحهم بالحسنى وتخاطبهم بلغة العقل بكل رفق.
كانت، وظلت منذ تأسيسها، تراهن على العقل والواقعية والشفافية في معالجة القضايا العربية والإسلامية، فلم تتاجر وتزايد على شعار تعرف هي قبل غيرها عدم واقعيته وعدم جدواه، أو استحالة تحقيقه..ولم تناد أو تشجع أو تؤيد الدخول في «مغامرات» لا محسوبة من أجل تحقيقه، فالسياسة هي فن «الممكن» ولا مجال فيها للمعجزات.
وواقع حال الدول والشعوب العربية والإسلامية اليوم وما آلت إليه يؤكد صحة وسلامة وجدوى المنهج السعودي القائم على الواقعية والعقلانية.
وقد ترسخت هذه القناعة لدى جميع الدول العربية، الشيء الذي يفسر نجاح دورها الإطفائي في كل من لبنان وفلسطين وتهدئة التوتر الإيراني العربي ذي الطابع المذهبي ــ السياسي.
في كل هذه الأحوال لعبت دور الوسيط ــ المبادر.. الوسيط الذي يطرح حلا ويقترح آليات توفيقية، وليس الوسيط الذي يعمل على تهدئة التوتر بالتخدير والتأجيل والتعليق الموقت.. وسيط يضع الأسس الواضحة للتحاور والتوافق لعلاقة راسخة.
وقد كتبت من قبل، هنا، بأن الوقت قد حان الآن، وفي هذا الظرف الحرج، لأن تنتقل السعودية بهذا المنهج من وظيفته الإطفائية أو دوره الإطفائي إلى أفق أرحب، وإلى خطوة أخرى، نظنها كانت دائما هي الحلقة المفقودة في كل معادلات العمل السياسي العربي الإسلامي المشترك.
لقد شكلت «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية، سانحة للقادة العرب والمسلمين وللقيادة السعودية لاعتماد هذا المنهج قاعدة لافتتاح مرحلة في العمل السياسي العربي الإسلامي المشترك خاصة أن الظروف الإقليمية والدولية كلها مهيأة لخطوة عربية إسلامية مثل هذه. وتستند هذه النقلة إلى ركيزتين:
الركيزة الأولى تتمثل في تأكيد وترسيخ «التضامن» العربي والإسلامي، ووضع ما اتفق عليه بين كل الفرقاء، وما هو في حكم الثوابت الوطنية والخطوط التي لا ينبغي تجاوزها بين الفرقاء في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال، موضع التنفيذ العاجل، لأن الوقت والظروف لم تعد تحتمل التسويف والمراوغة.
أما المرتكز الثاني فهو من زاوية معينة يمثل الأول شرطا له ولنجاحه، ألا وهو وضع خطة عمل سياسية عربية إسلامية موحدة في مواجهة ما يطرحه الآخر من تحديات، وما يصلح أساسا لعمل عربي إسلامي نهضوي شامل بالضرورة.
وأعتقد أنه لم يعد خافيا أن مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز تصلح لتكون هذا الأساس الذي يجب أن تتكيف سياسات كل الدول العربية والإسلامية ومواقفها الدولية والإقليمية وفقه، ووفق مقتضياته، فإن مواجهة العدو الصهيوني ومن يدعمونه سياسيا في المحافل الدولية تقتضي اتفاقا حول موقف سياسي عربي موحد لحل القضية العربية والإسلامية الأولى في فلسطين.
وأعتقد جازما أن المملكة بقيادة «الملك سلمان» بهذه الخريطة، ستقود العربة العربية والإسلامية في الطريق الصحيح، وإن «عاصفة الحزم» بإذن الله ستكون مفتتحا يجعل العالم يطل على مشهد عربي إسلامي جديد.
سلمان يقود الأمة من "الإطفائية" إلى "الواقعية العقلانية"!
صالح بن سبعان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
