هو الوزير الأول الذي عهدناه يمشي في الأسواق، وينتظر دوره عند (الحلاق) مثلنا. وهو الوزير الأول، الذي أشرع نافذة للتواصل مع الناس/ المجتمع/ الشعب؛ المعنيين بالخدمة التي تقدمها وزارته من خلال أقنية التواصل الالكترونية، وهو من أقل الوزراء ظهورا في وسائل الإعلام، وهذا بعض من غير المهم في شأن الدكتور توفيق الربيعة. أما المهم فهو أن الوزير جعل المواطن يدرك أن له حقوقا تدعوه لممارستها، والحصول عليها. وأنه لم يعد مغيَّبا عن تلك الحقوق، وأنه انتهت مرحلة رزح المواطن تحتها طويلا، في استهلاكه اليومي من الضروريات التي تقوم عليها حياته، وحياة أسرته، وأنه صار هناك من يراقب ويحاسب، بعد أن استهان بعض التجار و(المطففين) بالرقيب والحسيب الأعظم جلَّ وعلا. وبعد أن استمرؤوا المتاجرة الظالمة بأقوات الناس وحاجاتهم، يحددون السعر الذي يشاءون وقتما شاءوا؛ لأن المستهلك لا مناص أمامه؛ إلا الاستسلام لواقع فُرض عليه. ولأنه يدرك تفصيلات الواجبات والنوافل والمستحبات والمكروهات؛ إلا في ما يتعلق بحقوقه الإنسانية، والوطنية، والبيوع وقضايا التجارة، التي لها أبواب وفصول في المدونة الفقهية والشرعية، إلا أنها غُيبت عنه، وغُيب عنها. وفي شأنها نزل قرآن يتلى إلى يوم الدين، ومنه ما يتوعَّد (المطففين) بالويل والثبور، إذا هم استوفوا حقهم من الناس، (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)، والآية عامة في كل عملية تبادل تجاري، لا يستوفي فيها البيِّعان حقهما من بعضهما، وما أكثر ما يعانيه المُشترون/المستهلكون من التجار من مثل ما توعَّد الله به في الآية الكريمة.
وهذه المفاهيم التي تمس واقع الناس اليومي، وتؤثر فيه، لا تجد خطيبا أو داعية أو واعظا يذِّكر بها، أو يعطيها بعض الاهتمام، وذلك ضرب من الثقافة السائدة، التي من نتائجها البشعة؛ أن المشتري لا يدرك أن له حقوقا نصَّ عليها الشارع الحكيم، وصانتها الشريعة الإسلامية واستوعبتها الأنظمة المسطورة في المدونات الرسمية، والمقررة بالأوامر الحكومية. في حين لا يمتثل التاجر لشيء من ذلك المسطور والمدون؛ إلا لوجوب إغلاق متجره وقت الصلاة، وهو شديد الإذعان لذلك (الواجب)..!، لأنه يخشى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أما منكر التطفيف، والغش والجشع، وغمط الناس حقوقهم، واستغفالهم، وحملهم على الرضوخ لأطماع واستغلال هذا وذاك من التجار صغارا وكبارا، فهو منكر سافر، لا يجد من ينهى عنه أو يعاقب عليه، بالرغم من تداعياته الوخيمة أُسريا، واجتماعيا، ونفسيا، وأمنيا، واقتصاديا.
عندما أَمِن أولئك من يأخذ على أيديهم، وأمِنوا العقاب؛ فتجاوزوا في الجشع والانتهازية.
وكان المواطن المأزوم في لقمة عيشه، هو الرقم الضائع في هذا الخضم من الأحوال والوقائع والتناقضات. ليس لوفرة ما لديه، بل لأنه وُلد ونشأ وكبُر وصار ربا لأسرة، ولم تمر به عبارة (حقوقك)، ومن ثمَّ فهو لا يعلم أن له حقوقا عند البائع، أيا كان الصنف الذي يبتاعه؛ من (علب الزبادي، وحبات الصامولي والعيش)، إلى السيارة، مرورا بالملابس، والأجهزة المنزلية الكهربائية، والأثاث ونحوها.
ما ألفه المواطن منذ نعومة أظفاره؛ هو تلك الجملة السقيمة: (البضاعة لا تُرد ولا تُستبدل)، ولذلك أُتخم البلد بالبضائع المقلدة والرديئة، التي يقتنيها المواطن، بأضعاف مضاعفة لأثمانها الحقيقية، وبأرقام فلكية، فوق هامش الربحية فيها. وهكذا دواليك من أمثلة لا تحصى من هذه الوقائع والحالات، التي لا تجد من يحكمها، أو يأخذ على أيدي الجشعين الذين يمتصون دم المواطن.
حتى جاء التوجُّه الجديد الحكيم، لوزير التجارة والصناعة في ضبط هذا الواقع الفوضوي البائس، وإقرار نظام جمعية حماية المستهلك، وفي الحملة التوعوية التي نطالع بشائرها من خلال الرسائل النصية التي ترد على هواتفنا تحت شعار الحملة: (اعرف حقك)، وكم نتمنى – بعد أن عرفنا حقنا- أن نجد حضورا حقيقيا وجادا ومستمرا لأجهزة الوزارة الرقابية في مساءلة المتلاعبين والمستهترين بحقوقنا. والتشهير بعقابهم إن وُجد. وأن يكون في مقرراتنا التعليمية حزمة من المعلومات والمعارف، التي ترسِّخ في النشء؛ أن لهم حقوقا على الآخرين، ترعاها الدولة وتصونها أنظمتها. والله المستعان.