أكد عدد كبير من السياسيين والعلماء والمفكرين في الشرق والغرب على أهمية وصول مبادرة «المملكة العربية السعودية» للحوار بين أتباع الأديان إلى هيئة الأمم المتحدة كأكبر مؤسسة أممية، ودعوة زعماء العالم السياسيين للتباحث حوله في مؤتمر خصص له في الولايات المتحدة. وهذه المرة لم نقلها نحن حتى تكون شهادتنا مجروحة وإنما رددتها الصحف العالمية. هذا المؤتمر شكّل علامة فارقة في تاريخ الإنسانية، فهو يمثل فرصة طيبة لانتشال العالم من حالة الصراع الحالي، إلى شواطئ الحوار القائم على التسامح والاحترام المتبادل، كما قالت صحيفة «بوسطن جلوب»، مشيرة إلى أن الغرب يجب أن يضع يده مع يد صوت العقل الإسلامي المعتدل حتى يمكن محاصرة الإرهابيين والقضاء على بؤر التشدد في العالم لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وصحيح أيضا ما قالته الإندبندنت البريطانية من أن الدعوة السعودية لحوار الأديان ليست فكرة عابرة أو طارئة، بل هو نهج ثابت، وأسلوب تسعى المملكة إلى ترسيخه في سياساتها الداخلية، وفي العلاقات الدولية بشكل عام، مشيرة إلى أن ذلك يتجلى واضحا في المبادرات المتعددة التي طرحتها المملكة، بدءا من مبادرتها العربية، والمؤتمر الإسلامي للحوار الذي عقد بمكة المكرمة، والذي أسس أرضية صلبة انطلق منها ممثلو الطوائف والمدارس والمذاهب الإسلامية المتنوعة للحوار مع نظرائهم المسيحيين واليهود في المؤتمر الذي عقد بالعاصمة الإسبانية، مدريد. كل هذا الذي يقولونه في الغرب هناك هو صحيح.
فالبشرية أحوج ما تكون اليوم إلى الحوار الهادئ القائم على مبدأ الاعتراف بالآخر وبحقوقه المتساوية، والاحترام المتبادل، بعد أن رأينا وخبرنا البديل الآخر للحوار قتلا وتفجيرا وهدما وتشريدا. ورأينا كيف أن أحط الغرائز والنوازع تخرج معربدة لا تحفظ كرامة الإنسان، سواء انطلقت هذه النوازع من جندي أمريكي ينتمي إلى حضارة راقية ودولة تعتبر نفسها صوت الحرية الأعلى، أو من جاهل غرر به ففجر نفسه وما حوله. كل هذا صحيح، ومتفق عليه. ولكننا من زاويتنا نتطلع في هذا المؤتمر أن تنزع البراقع والأقنعة الدينية عن صراعات وقضايا سياسية لا لبس فيها.
فما نشهده في الغرب، ومنذ أحداث سبتمبر 2001م تشويه للإسلام ومحاولة تصويره كغول إرهابي، وإشاعة صورة نمطية عن المسلم بأنه وبالفطرة أو بالتنشئة الدينية مشروع انتحاري محتمل، لأنه يتغذى بالعنف المدمر في دينه. وهذه الصورة كما لا يخفى على أكثر العقول سذاجة إنما تهدف إلى تغطية سياسات وممارسات سياسية عدوانية ضد شعوب، إما في المنطقة، أو إسلامية، تحت ذريعة ما أطلق عليه في الأدبيات السياسية الجديدة بـ «الإرهاب الإسلامي».
والحال أن محاولة تصوير اغتصاب حقوق وأرض الشعب الفلسطيني، وتهويد القدس، وقتل الأطفال، وتجريف المزارع وقتل الناس خنقا وحصارا في غزة وعدم الاعتراف بحدود لدولة إسرائيل أو بحدود للدولة الفلسطينية إنما هو اعتداء وإجرام دولة وسياسات لا علاقة لهما لا بالدين ولا بالدين اليهودي، وقس على ذلك ما يحدث في مناطق أخرى بالعالم من سياسات عدوانية وصراعات سياسية تقحم فيها الديانات والثقافات زورا وبهتانا.
نأمل أن تنزع مبادرة المملكة العربية السعودية التي وصلت إلى الأمم المتحدة هذه البراقع والأقنعة التي تتلبسها هذه الصراعات السياسية، حتى تستطيع الشعوب كافة أن تدرك هذه الصراعات، إذ إنه لا وجود لما يحاول ترويجه من صراع بين الثقافات.
هذا ما تؤكده المبادرة «لا صراع بين الثقافات والأديان، وإنما هناك صراع مصالح سياسية واقتصادية»، وهذا ما ينبغي أن يكشفه حوار اتباع الأديان.