لم يكن بين المملكة واليمن الشقيق عداء مذهبي ولن يكون؛ فتاريخ العلاقات بينهما لم يشهد مثل هذا العداء من قبل، ووقفت المملكة داعمة لاستقرار اليمن وإمداده بالمال والمشروعات في كل الظروف من دون أن يؤثر مذهب الرئيس في قبض يدها، ولا انتماء هذه المدينة أو تلك المحافظة على ما تسبغه عليها من سخاء.
ولم تميز حكومة المملكة ولا شعبها في إفساح مجال العمل لليمنيين بين زيدي وشافعي، فكلهم إخوة أشقاء.
ولم يكن لها أن تفعل غير ذلك لسبب منطقي، هو أن التمييز ضد مختلف في المذهب أو في غير المذهب يعني فتح باب للعداء لا ينتهي مع المذاهب المختلفة ومع العالم، ويعني إفساد العلاقة مع شعب اليمن كله بمختلف أطيافه ومذاهبه، ويعني اتصاف المملكة بغير ما يجب اتصافها به من الاعتدال والاتساع للمسلمين قاطبة، ففيها قبلتهم ومحجهم ومنبع أنوار دينهم.
العداوة بين السعوديين واليمنيين مذهبيا هي العداوة المستحيلة.
ولكن أصواتا نشازا من هنا وهناك تخلط سببا بآخر، وتصف وقائع بغير أوصافها، أو تعزو أحداثا لغير عللها.
وأخطر هذه الأصوات وأكثرها خلطا وتزييفا أصوات الذين ارتفعت عقائرهم بالتفسير لـ«عاصفة الحزم» تفسيرا طائفيا ومذهبيا، ووصفها من منطلقات دينية وحزبية.
وأنا، هنا، لا أتخرص فيما أقول، ولا أصف وقائع من نسج الخيال؛ فالتغريدات الطائفية، وحلقات الحوار في بعض القنوات المؤدلجة شهادة على ذلك.
وهي شهادة تدلل على خطر قد يتفاقم لا قدر الله، وقد يضلل من لا يُخضِعون ما يقرأون أو يشاهدون أو يسمعون للفحص والتمييز، وقد تنطلق من ورائه نداءات الجهاد التي تتحفز في مثل هذه المناخات! لم تنطلق «عاصفة الحزم» تجاه اليمن لأسباب مذهبية أو طائفية، وهي – في الوقت نفسه - لم تنطلق من غير سبب، أو حتى بأسباب واهية.
فالأسباب التي دفعت إليها معلنة، وقد تم إعلانها من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، كما تم تفصيلها وبيانها من قبل سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، وسمو وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، والقادة العسكريين، إضافة إلى المسؤولين في دول التحالف، والرئيس اليمني ووزير خارجيته.
إنها ليست موجهة لليمن حكومة وشعبا؛ فهي نتيجة محددة لتغول الحركة الحوثية في اليمن ورفضها الحوار واستيلائها على السلطة وتحركها في أنحاء اليمن لفرض الأمر الواقع.
وكان آخر ما اقترفوا أن توجهوا إلى عدن للقضاء على الرئيس الشرعي الذي غادر صنعاء إليها، وهم في ذلك يستقوون بإيران التي أخذت وجها طائفيا بغيضا في هذه العلاقة، فلم ير اليمن منها خيرا قبل ذلك وهو يعاني الفقر والحاجة، ويتآمرون مع الرئيس المخلوع، ويهددون مصالح المملكة واستقرارها.
إن الحركة الحوثية طراز من الإرهاب والتطرف، لا يختلف عن تطرف القاعدة وداعش وإرهابهما، ولا يختلف عن تهديدهما لاستقرار المملكة وطموحهما إلى هز أمنها.
وبالطبع فإن الحديث عن مصلحة الوطن والدفاع عنه ما يزال معنى غير مألوف لدى أصحاب التوجهات الشمولية، ومعنى غريبا في أدبيات الجماعات الجهادية.
ولنتأمل فلم يكن تدمير العراق وسوريا وليبيا، فيما نشهد، وأفغانستان والصومال من قبلها، إلا نتيجة هذا المعنى الذي يطمس الوطن وينبذه لحروب بين مكونات مختلفة مذهبيا وحزبيا، جامعها المشترك اتخاذ الدين مطية إلى السلطة ومن ثم الانقسامات المتكررة في كل جماعة على حدة، فضلا عن انقسامات البلد بأجمعه.
ولن تنتهي الحرب في أي بلد من هذا القبيل، حتى تنتهي كل المعاني الطائفية والعقائدية المسببة لها.