بعد أن أورد قول الله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، كتب عميد الأدب العربي طه حسين رحمه الله إهداء كتابه القيّم «مع المتنبي» قائلا: «صدق الله أيتها الزوج الكريمة وتمت كلمته؛ ففي ظل هذه المودة درست هذا الشاعر العظيم، وفي ذُرى هذه الرحمة أمليت هذه الفصول، وإن قلبي ليملؤه البر ويغمره الحنان حين أذكر ما كنت تبدئين وتعيدين فيه، أثناء ذلك، من حث لي على الراحة، ورغبة إلي في التروض، وإلحاح علي في الاستمتاع بنعيم الحياة وجمال الطبيعة في جبال الألب، وما كنت ألقى به عطفك من إباء وإعراض، وما كان يثور في نفسك من غضب مصدره الرحمة والإشفاق، وإني لأعلم أني كنت في ذلك قاسيا جافيا، ولكني أعلم أني مدين لهذه الجفوة وتلك القسوة بهذا الكتاب، فاذني لي أن أقدمه إليك لعله أن ينسيك من ذلك ما لا تزالين تذكرين».
هكذا خاطب طه حسين زوجته إزاء جهد وعمل يرى أحقيتها بالاعتراف بفضل مشاركتها فيه، ورعايتها إياه، وتضحيتها من أجله، في حين قد يبخل بعضنا بكلمة شكر شفهية لزوجته، حين ينطلق من أن هذا هو الواجب والأساس والأصل، وأنه لا فضل لها فيما تقوم به، بل من الزوجات من تتجرع آلام الظلم والقهر والقسوة.
ثم لماذا لا يعترف أحد من أبناء مجتمعاتنا بتأثير زوجته في شخصيته دينيًّا وأخلاقيًّا، في اللحظات التي يرى بعضنا تأثير الزوجة في شخصية الزوج تأثيرًا واضحًا؛ إذ نعرف رجالا كثيرين لم يعرفوا معاني الالتزام والانضباط في الدين والأخلاق والتعامل مع الآخرين إلا على أيدي زوجاتهم؟
ليست الزوجة أداة للتكاثر فحسب كما يرى البعض، وإنما هي سكن ورحمة، وهي أيضا يمكن أن تكون مدرسة للأخلاق والتكوين الإنساني والروحي وتعديل وتهذيب الأخلاق والطباع لزوجها ولأبنائها، وكم من الرجال لم يكونوا ليحققوا ما حققوه من نجاحات في مختلف المجالات لولا توفيق الله عز وجل ثم وجود زوجة تعي مسؤوليتها وترعى مستقبل زوجها وأبنائها، في حين يصر كثير من أبناء المجتمع على نسبة كل صفة ذميمة إلى الزوجة ويجعلها مصدر القلق، بدلا من أن يعترف بالفضل لها، وإذا تم ذلك فإنه يكون على استحياء أو مضض، وإذا تم الاعتراف بالفضل العلمي وخلافه فإن فضلها في تقويم السلوك وتهذيبه غالبًا ما يبقى أمرًا سريًّا مدى الحياة.

[email protected]