يزور عيادتي بحكم تخصصي عدد كبير من الحوامل المصابات بمرض السكري، ويطلبن نصائحي لتجنب ارتفاع مستوى السكر بالدم خلال الأشهر الثلاثة الأولى تجنبا لحدوث أية تشوهات بالجنين.. والحمد لله وخلال الـ10 سنوات الماضية لم أواجه تلك المضاعفة الخطيرة.. لكن ذاكرتي عادت إلى قريتي الصغيرة التي تنام في أحضان مصر وإلى قرى أخرى لأصدقاء لي على طول البلاد العربية، فعندما يولد جنين مشوه أو ما يسمى مسخا، يكون السبب الأول والرئيس في ذاكرتنا العربية أن هذه المرأة تزوجت جنيا ولذلك جاء مولودها مسخا.. وتبدأ عملية العلاج بزيارة بعض من يدعون بالمشايخ وقراءة بعض الأوردة، وتنتهي في بعض الدول بما يسمى بالزار.
أظن حسب قراءاتي، أنه لا يوجد مستند شرعي لزواج الإنس من جنية أو العكس، ولكن الغريب أن أغلب شعوب الأرض وبداية من الحضارات القديمة في بابل ومصر واليونان وحتى أوروبا الحديثة وحتى منتصف القرن الـ19، كانوا يؤمنون بهذه الخرافة، وهناك عدة مؤلفات طبية أو هكذا صنفت في أوروبا في ذلك الوقت تورد ذلك، ورغم تساوي الاعتقاد بيننا وبينهم في سبب ولادة طفل مشوه أو مسخ، إلا أننا احترفنا في طرق العلاج، فهم «أي الأوروبيون» كانوا يحرقون المرأة باعتبارها أجرمت وفعلت الخطيئة بزواجها من جني، أما نحن فكان أقصى ما يمكننا فعله أن نعالجها ببعض الأوردة والوصفات والزار، نعم لقد كنا أكثر إنسانية من كل شعوب الأرض حتى من الأوروبيين أنفسهم، وتبقى خرافاتنا وخرافاتهم متساوية، ولكن عندما نحتكم فيما بيننا تصبح الإنسانية هي المحك.
[email protected]
نحن وهم.. الإنسانية هي المحك!
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
