العنف الجماعي يكون غير مفهوم بشكل جيد إذا تم الاكتفاء بالنظر إليه على أنه يشير إلى الضحايا في ساحات المعارك فقط، أو استمر النظر إليه من خلال المفاهيم التقليدية للحرب
نحن نحتاج لدراسة الطرق الكثيرة التي أصبحت فيها مجموعات كاملة من الناس مجرد أشياء يمكن الاستغناء عنها بشكل يومي إذا أن أردنا أن نأخذ على محمل الجد معنى المواطنة العالمية في القرن الحادي والعشرين
السنوات القليلة القادمة تقدم لنا فرصة ثمينة من أجل التفكير الجدي
فيما نبدأ بإحياء ذكرى «قرن العنف»، بما في ذلك القرن العشرين الذي حصلت فيه الإبادة الجماعية في رواندا، والذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، والذكرى السنوية الـ70 لقصف هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية، والذكرى السنوية الـ40 لـ»حقول القتل» في كامبوديا، ستكون مواجهة الماضي جزءا من الجدل المعاصر
ومع أنه ليس هناك شك أننا نحتاج لنتذكر بشكل جماعي هذه الأحداث العالمية المرعبة والمؤلمة، إلا أنه لا يكفي أن نستخدم هذا الأمر على أنه فرصة للادعاء بأننا نعيش الآن في أوقات أكثر أمنا وسلاما مما كانت عليه في السابق
عدد من الكتاب مثل ستيفن بينكر يريدون منا أن نعتقد أن العنف الجماعي في طريقه للانحدار بسبب توسيع المناطق الحرة من النفوذ والتهدئة
هذا كله يعتمد على نقاط التعريف
في حين أن من الممكن تقديم رواية عن أوقات أكثر سلما وأمانا من خلال تقليل تحليلنا لقضايا العنف بين الدول والأيديولوجية، مثل هذه الروايات تعاكس الواقع المعيشي الذي يحياه كثير من مواطني العالم
إن ما نحتاج إليه هو تفكر نزيه وواع حول ذكرى العنف حتى نكون أكثر استعدادا لفهم الخصائص الشريرة والخفية للعنف الجماعي
مع أن فهمنا للحرب والعنف تغير على مدى العقود القليلة الماضية، بحيث أصبح يُدخل في حسابه انعدام الأمن اليومي الذي تواجهه الشعوب في المناطق التي ينعدم فيها الاستقرار، فإن تحليلنا للعنف الجماعي لا يزال مرتبطا بشكل كبير مع تصنيفات القرن العشرين التي تتذبذب بين الدول الاستبدادية والفاشلة، والتوترات الإثنية أو مشكلة العصيان والتمرد
نحتاج الآن إلى مفردات جديدة إذا كنا نريد أن ندرس أشكاله الجديدة والمعاصرة
هناك حاجة لزاوية مختلفة من الرؤية
تعريف الاغتصاب، على سبيل المثال، كسلاح من أسلحة الحرب سمح لنا بأن نفهم ما يبدو حوادث شخصية ونربطه مع إساءة منظمة وموسعة
ومع ذلك فإن هذه الأساليب يتم تطبيقها بشكل انتقائي بطرق تبدو مناسبة للحظوظ السياسية للمجتمعات الليبرالية
حتى من وجهة نظر الحرب التقليدية، يبدو أننا غير قادرين على ربط حوادث الموت الفردية مع قضايا العنف الجماعي الأكثر اتساعا وبسياسات الانتهاك المنظم
خلال السنوات الخمس التي طبق خلالها أوباما سياسة الطائرات بدون طيار على سبيل المثال، نحن نقترب من الأرقام التي يمكن مقارنتها مع الفظائع التي وقعت في 11 سبتمبر 2001
حتى لو قبلنا أن عددا لا بأس به من هؤلاء الذين قُتلوا بسبب سياسة الطائرات بدون طيار هم من المتشددين، فإن سياسة الاغتيالات تحرمنا من أي مصادر للعدالة التي يمكن التأكد من تطبيقها
وكم هو عدد الأبرياء الذين يجب أن يموتوا قبل أن يتم تفسير هذا العنف بشكل مقارن؟هذا لا يفسر القضايا الأوسع لجرائم الأسلحة النارية، أو الاحتجاز الجماعي للملونين في الولايات المتحدة الذين يمكن مقارنة عددهم مع الذين تم سجنهم بشكل قسري خلال تجارة الرقيق العالمية
ولا يفسر أيضا الظروف ذات الأبعاد الاجتماعية من الفقر المدقع واليأس المنتشر في شتى أنحاء العالم
ولذلك فإننا عندما نبدأ بعملية تخليد ذكرى العنف الجماعي، من الضروري أيضا أن نبدأ بالتساؤل عما إذا كانت مزايا مجتمعاتنا المعاصرة هي التي تجعلنا نفكر ونتصرف بالطرق التي تجعل وجود بعض الشعوب غير ضروري
كيف نستطيع أن نستخدم هذه اللحظات التاريخية وإرث الفظائع لنبدأ بجدال ذي معنى حول وضع العالم اليوم؟هذا يتطلب حوارا مفتوحا بين الشخصيات العامة من الأكاديميين، والفنانين والمفكرين المبدعين، والمنظمات غير الحكومية، والناشطين، بالإضافة إلى القيادات الدينية والاجتماعية بغض النظر عن انتمائهم السياسي
عند ذلك فقط نستطيع أن نبدأ بالتفكير بجدية حول معنى المواطنة العالمية، والتعايش السلمي، ومسؤولياتنا المشتركة، وما يعنيه أن نعيش حياة كريمة
* الإندبندنت
مفهومنا للعنف يجب أن يتغير
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
