تسوّق إيران لنفسها بأنها حامية المذهب الشيعي في العالم الإسلامي.
والحقيقة أن هذا ليس أكثر من حيلة ابتكرتها الدولة الصفوية على يد مؤسسها الشاه إسماعيل (892 هـ - 930 هـ).
ولعل ما يعانيه (عرب الأحواز) في إيران من قمع واضطهاد رغم أن أغلبهم من الطائفة الشيعية يوضح بجلاء أن المذهب ما هو سوى غطاء لأطماع توسعية، فالشاه إسماعيل فرض التشيع (بصيغته الجديدة آنذاك) على الإيرانيين قسرا، وجعله المذهب الرسمي للحكومة، واستخدم لذلك كل أنواع البطش والتنكيل والرعب، فمثلا اتخذ من سب الخلفاء الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، وعلى من يسمع السب منهم أن يهتف قائلا: «بيش باد، كم ما باد «وتعني في اللغة الأذربيجانية أن السامع يوافق على ذلك ويطلب المزيد منه، أما إذا امتنع السامع عن القول فستقطع رقبته حالا.
وأمر الشاه أن يعلن السب في الشوارع وعلى المنابر، منذرا المعاندين بقطع أعناقهم.
ولم يكتف الشاه بالإرهاب وحده في نشر ما أسماه بالتشيع، بل عمد إلى كل الوسائل المُتاحة، ومنها الدعاية والإقناع النفسي، فقد أمر بتنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين حسب الطريقة المتبعة إلى الآن، وقد كان هذا الاحتفال قد بدأ به البويهيون في بغداد في القرن الرابع الهجري ولكنه تضاءل من بعدهم، حتى جاء الشاه إسماعيل فطوّره وأضاف له «مجالس التعزية»، وأمر كذلك بإدخال «الشهادة الثالثة» في الأذان، أي عبارة «أشهد أن عليا ولي الله»، وهذه العبارة أدخلها بعض الغلاة في القرن الثالث الهجري، غير أن الشيعة وقتها استنكروها ولم يقبلوا بها، حتى فرضها الشاه إسماعيل فرضا.
ويصف المستشرق والمؤرخ الإنجليزي إدوارد براون الشاه إسماعيل بأنه «شخص يجمع النقائض، إذ هو من جهة كان قاسيا متعطشا للدماء إلى حد لا يكاد يُصدق، بينما كان من الجهة الأخرى وسيما محبوبا من جنوده لدرجة العبادة، حتى إنهم كانوا يرمون أنفسهم في ساحة الحرب من غير دروع، مؤمنين بأنه يحميهم من الخطر عند القتال»، فيما يرى الدكتور علي الوردي أن «الشاه إسماعيل أساء إلى التشيع من حيث أراد نفعه، أو لعله أساء إلى التشيع ونفعه في آن واحد، فهو من ناحية قد زاد تعداد الشيعة، إذ أدخل فيهم الكثير من الإيرانيين، ولكن من ناحية أُخرى أدخل التشيع في أمور أضرت به وشوّهت سمعته، أضف إلى ذلك أنه جعل التشيّع مذهبا حكوميا، وهذا أضعف فيه نزعته الشعبية القديمة».
فكما هو واضح من صناعة تشيّع جديد لخدمة الفرس مستغلين المذهب الشيعي للحفاظ على هويتهم القومية الفارسية وأهدافهم السياسية في المنطقة.
يقول الباحث الإيراني علي شريعتي «الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية والمذهب الشيعي، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب»..وسنحاول في مقال قادم أن نقرأ ذلك بشكل أشمل.
إيران الصفوية وصناعة تشيّع سياسي
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
