حين يغلب على جهد المسؤول ما يشبه الهدم لجهود سابقيه أو تعديلها تكراراً، فإنه يدلل على موقعه في سياق تغيب عنه الرؤية إلى المستقبل، وينعدم التطلع إليه بطريقة منهجية
ذلك أن من شأن الرؤية الواضحة للمستقبل والتطلع إليه أن يقودا إلى رسم خطط للعبور إليه، واستراتيجيات للتمكين منه
وليس وضوح هذه الخطط والاستراتيجيات أو غموضها، ورصانتها أو اضطرابها وعمومها أو جزئيتها إلا الترجمة الأمينة للمستقبل الذي نعيه ونحلم به ونعد له بما يجاوز دائرة الزمن المنحصر في لحظتنا وأعمارنا
والمستقبل العام للمجتمع، لا يجوز أن يكون موضوع هوى ومغامرات فردية يبنيها هذا حيناً ثم يأتي بعده من يهدمها ليبدأ من جديد، وهو ليس مستقبلاً عاماً إذا ما كانت الرؤية إليه قابلة للاجتهاد والتغيير والترقيع
إن الفردية ضرورية في الروح القيادية مثلما هي ضرورية في إشعال روح الحماس والتنافس، وفي الابتكار والإبداع، ولكن كل فردية قيادية ينبغي أن تندرج في الرؤية العامة للمستقبل التي يتم حساب كل خطوة في اتجاهها بدرجة عالية من الصرامة والدقة
ولهذا فإن الخطط التنموية والتطويرية تموت إن لم تكن خططاً مؤسسية تجاوز الفرد إلى المنظومة الإدارية، فالمؤسسة فكر وقواعد ونظام، وهي –هكذا- أكبر من الفرد وأكثر رسوخاً وثباتاً، وإذا ما تصورنا أن فرداً يمكن له أن يحرك المؤسسة على هواه وكيفما شاء فإن مفهوم المؤسسة هنا ينتقض وتصبح شأناً من شؤون هذا الفرد، كأنها دكاناً له أو مزرعة أو ما إلى ذلك
المراوحة في المكان التي تَنْتُج عن البدء والإعادة، هي مسبَّب عن غياب الصفة المؤسسية التي تحتِّم على فردية المسؤول الاندراج داخلها وتحريكها وفق آليات نظامية، وليس فرض هيمنته ونزواته عليها
أن يندرج المسؤول في المؤسسة التي هو مسؤول عنها يعني أن يستوعب ما يحركها ويوجهها من رؤية إلى المستقبل وتطلع إليه، وهذا هو ما يحتِّم عليه أن يولي الخطط والاستراتيجيات المؤسِّسة لوعي المؤسسة انتباهه وأن يحتكم إليها لا أن يجعلها هي محكومة به
وقد يحتاج هذا المسؤول أو ذاك إلى بعض التغيير في خطط مؤسسته وتصحيح بعض الطرق الإجرائية ولكنه لا يستبعد الرؤية إلى المستقبل ولا يهدم ما تم قطعه في سبيل بلوغها
أما التصحيح لما يحدث من جريان في المكان نفسه، فهو ضرورة الجمع بين إتقان التخطيط ومأسسته وبين تفعيل المراقبة والمحاسبة العامة لأداء المسؤولين في القطاعات المختلفة
فمن شأن الرقابة العامة التي تؤديها المؤسسات المحددة لهذه المهمة وعلى رأسها مجلس الشورى أن يلفت المسؤول إلى أن هناك من يتابعه ويحاسبه ويملك أن يفرض عليه عقوبات وجزاءات
وفي هذه الحالة فإن عمله يخضع للمساءلة، والحسبان للمساءلة سيفرز لنا الإخلاص والجدية
وينبغي ألا ينفصل الجانب التنفيذي لأحكام الرقابة والمساءلة عن الأحكام نفسها، فالمشكلة التي تبدو أحياناً أن أخطاء المسؤولين لا تعاقب ولا تتم محاسبتهم عليها
وقد نرى أحياناً أن إحسان مسؤول في مكان ما قد لا يختلف عن إساءة آخر
وهذا يقودنا إلى الإحساس بأهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات المدنية بوصفها موقعاً للرؤية والفعل خارج السلطة التنفيذية، فتغييب هذه المؤسسات أو ضمورها وهامشيتها، أو التضييق عليها يؤدي إلى تغول المسؤول التنفيذي واستبداديته
ولكن المؤسسات المدنية هذه يمكن أن تحمل من العلل ما يؤدي إلى التخلف وتحويل النظر عن المستقبل حين تهيمن عليها تيارات مشغولة بالماضي وبذاتها
لذلك أصبحت التنمية في المجتمعات العربية فريسة لأسباب مختلفة، فإن سلمت من استبدادية المسؤول الحكومي فقد لا تسلم من الاختلاف المدني حولها، وإن سلمت من فتور العزيمة وضآلة الهمة لم تسلم من الافتقاد إلى وضوح الرؤية ومنهجيتها ودقة الخطط والاستراتيجيات المحققة لها
محلك سر!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
