في أحد الأفلام المنتجة قبل عشر سنوات، يحكي فيلم قصة أحد تجار السلاح، أمريكي يجد في أفريقيا مناخا خصبا بسبب النزاعات المسلحة للسيطرة على تجارة الألماس والمعادن.
يبدأ الفيلم والكاميرا (جرافيك) داخل الرصاصة في المصنع، وتنتقل من مرحلتها الأولى إلى مرحلتها الأخيرة، من المصنع إلى الصندوق إلى الباخرة إلى العربات إلى أن تخرج للسلاح ويطلقها شخص لتستقر في رأس طفل أفريقي.
انتهى عمر الرصاصة وبدأت الحركة والدراما لتنتهي بمقتل أخ تاجر السلاح بسبب الحرب بين الفصائل والميليشيات والنزاعات المسلحة.
كيف يمكن الكتابة عن الحرب؟ بلغة السلام أم بلغة السياسة أم بلغة السلاح أم الاقتصاد .
.
أي لغة ستكون ممكنة لفهم الدوافع والأسباب لاحتمال المشهد وجبروته وقتلاه وميكانيكية أسلحته وبراعتها.
.
من السياسي الذي سيتفق معك أيكما أكثر عدلا؟ من العسكري الذي سيقتنع بأنك مدني والحياة لك ولأشباهك من البدء؟ ونستون تشيرشل قال لناخبيه قبل الحرب العالمية الثانية "ليس هناك ما أعدكم به غير الدم والدموع"! العسكر يخافون الحرب لكنهم يخوضونها، الساسة يحفظون لغة السلام، لكنهم لا يستمتعون بها، لغة السلام ليست مراوغة، والمراوغة هي لعبة السياسي.
السياسة تحتاج شجاعا ونبيلا، لكن يخوضها الجبناء والخونة، العسكرية تحتاج قلبا هائلا أمام مشهد القتلى ويدخلها المرتزقة بلا قلب، الحياة تحتاج كل هذا لكنها تهرب بأفعال الحرب الفاحشة.
لا أحد يجزم بأن لغة الحكمة ليست هي نفسها لغة الحرب، هذا في السياسة تحديدا، فأنت لا تخوض الحرب لأسبابك الخاصة، بقدر ما تخوضها لأن عدوك ينتظر استسلامك.
وأتذكر هنا المقولة الجبارة التي أطلقها وزير الخارجية سعود الفيصل حين طلب الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح "الحوار" بعد عملية عاصفة الحزم، حتى وإن تم نفي هذه المقولة إلا أنها ستبقى محفورة في لغة الحرب، ولغة السياسة معا اللغة الذكية والنادرة: "ما يحدث الآن نوع من أنواع الحوار، فلا يمكن أن تكون كل الحوارات على الطاولة".
السياسي الذكي يمرر الحرب من خلال اللغة، طوال تاريخ الساسة لم يتبق، حتى من تاريخ من خاضوا منهم حروبا بشعة، غير مقولة ظلت تحفر بأظافرها الحاضر والمستقبل، السياسي هو الذي يملك خطابا مهولا؛ لأن السياسة حنكة وتجربة، خلاصة معارك ضارية في الغابات، تشابك الأذرع والأيدي في الأفكار، وتمزيق القمصان من صدورها، إنها لغة الخدش الناعمة تلك التي تملك أزيزا مدويا لا يمكن سماعه.
"الحرب لا تحدد من هو المصيب، بل تحدد فقط من هو الباقي" برتراند راسل.
يحكي أحد الأصدقاء أثناء زيارته متحف هيروشيما للسلام بأنه لم يسمع كلمة واحدة شائنة عن العدو لأن المتحف أصبح تجسيدا للألم والغضب والحزن والموت، بقايا البشر الذين يبس الرعب في عيونهم.
عُرضت في المتحف ساعة توقفت في اللحظة التي لامست فيها قنبلة "الولد الصغير" إلى أرض هيروشيما.
اليابان في هذا الأثر المروع تقول كل شيء عن الحرب دون أن تريق دم كلمة واحدة في حق قاتلها.
لتبقيه نادما وجريحا إلى الأبد.
"الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم بعضا لحساب آخرين يعرفون بعضهم بعضا لكن لا يقتل أحدهما الآخر" باول فاليري.
هكذا يخوضها الجنود ويعودون منها مفقودين، بنصف أجساد ونصف أرواح وذاكرة كاملة، ذاكرة اكتملت صورتها بالفقد والتوحش والألم.
الحرب ليست نزهة سعيدة كما يغني بعض الجنود الذين نشاهدهم في الأفلام يتقاسمون السجائر، إنها معركة تخضع لكل الاحتمالات التي تعجز المخيلة عن تفاصيلها، ولذا يعود المنتصرون منها بأقسى هزيمة ممكنة.
"الحرب مأساة يستعمل فيها الإنسان أفضل ما لديه ليلحق بنفسه أسوأ ما يصيبه" غلادستون.
في شهاداتهم التي قدموها، يروي معظم العائدين من الحرب كيف عادوا بجراح كبيرة.
تم تقديم الشهادات في ثلاث مسرحيات في اسكتلندا ـ أدنبرة بعد احتلال العراق.
هيرولد نويل جندي عائد من هناك يقول "كنت أحاول إغراق ذكرياتي وسأبقى أفعل ذلك، مشهد المرأة التي انفجرت بها قنبلة عن طريق الخطأ بعد أن ظهرت في المكان غير المناسب يفزعني.
كنت أتوقع أن أعود من الحرب بطلا".
الحرب.
.
.
أبشع طرق السلام.
hoshan.
a@makkahnp.
com