حوادث العنف الأسري التي تطالعنا بها الصحف بين الفينة والأخرى وما تشهده قاعات المحاكم مما لم تنشره الصحافة تنبئ عن خلل ما يجب التوقف عنده ومناقشة أسبابه، للوصول إلى حلول جذرية تحد من هذه الحوادث التي لا تزال دون الظاهرة في مجتمع متماسك أسريا واجتماعيا وتشكل الأسرة نواته التي هي المؤثر في سلوكيات الطفل وبناء شخصيته المستقبلية.
وما دمنا نتحدث عن هذا المكوّن الاجتماعي الرئيس - أي الأسرة - فإن الحديث عن جرائم العنف الأسري أشبه في بعض تفاصيله بالخيال، فكيف لأب أن يتجرد من كل أخلاقياته ومسؤولياته ويتحول إلى ناقم من ابنه أو ابنته أو من يعوله؟ وكيف لأم هي مضرب المثل في الرحمة والعطف والشفقة أن تتحوّل إلى قاتلة متوحشة؟ إن الأمر لا يخلو من خلل واضطراب في الشخصية يتضافر فيه عدد من العوامل بعضها ذاتي وبعضها خارجي تتقاطع لتترك آثارها على الشخص وتنعكس على سلوكياته بشكل أو بآخر، وقد تدفعه للتجرد من إنسانيته وقيمه دينيا وأخلاقيا واجتماعيا.
فمن العوامل الذاتية التي تتكون نتيجة ظروف خارجية: الإهمال، وسوء المعاملة أو العنف الذي سبق أن تعرّض له الشخص في مراحل حياته وخاصة مرحلة الطفولة.
أما الدوافع الخارجية التي قد تقود إلى العنف فتتمثل في الثقافة التي يتعاطى معها الإنسان والتي تعددت وسائلها خاصة مع انفتاح الفضاء وانتشار ثقافة العولمة التي صبغت مجريات الحياة اليومية بطابعها الجديد والمتحول على كافة المستويات.
فإذا كانت هذه الثقافة العابرة للحدود والمخترقة لحواجز الخصوصية أخذت طابعها في الجانب الاقتصادي مثلا، فإنها برزت كذلك في الجانب الاجتماعي بشكل لا يقل عن بروزها في الجانب الاقتصادي الذي ظهرت منه، مما يعني أننا أمام عولمة يمكن تسميتها بـ (العولمة القيمية)، ولهذه الثقافة انعكاساتها على مستوى تعامل الأفراد والمجتمعات بقدر تعاطيهم مع وسائلها وكيفية توظيفها، فقد أظهر كثير من الدراسات الأثر السلبي لوسائل الاتصال الحديثة وأجهزة البث الفضائية على سلوكيات الأفراد، نتيجة العزلة التي تخلقها هذه الوسائل، ليصبح تعامل أفراد الأسرة مشوبا بالتوتر والقلق والاضطراب وبالتالي حدوث العنف، سواء بالتعنيف اللفظي أو الإيذاء الجسدي، أو العنف الإجرامي الذي قد يصل إلى القتل، بالإضافة لعدد من العوامل الأخرى كالفقر، والمخدرات.
والسؤال المطروح: ما دور مؤسسات التعليم العام والعالي والمساجد ووسائل الإعلام في معالجة هذه الأسباب وبيان أثرها بل وخطرها على الأسرة وخاصة إذا وظّفت بشكل يهدم بناءها؟ أعتقد أن الأمر بحاجة إلى تضافر جهود هذه المؤسسات لتؤدي دورها بما يحفظ للأسرة تكوينها وللمجتمع سلامته، لأن ضحايا العنف لسبب أو لآخر سيتحولون مع الإهمال إلى ناقمين على المجتمع الذي تركهم في أيدي من لا يتورع عن إيذائهم، كما أن على وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية كبيرة يجب أن تنهض بها، وأن تبدأ بجهاز الوزارة القائم على دور الأيتام والعجزة والتأهيل لتتابع الحالات التي قد تحدث داخلها، وتعلن عقوبات من أدينوا في حوادث سابقة تناولتها الصحف حينها.
وتتحمل وزارة التعليم جزءا من المسؤولية خاصة متابعة حالات الأطفال الذين يعيشون مع أحد الوالدين لسبب أو لآخر، فما أكثر حالات طلب نقل طالب أو طالبة من مدرسة لأخرى، أو لما هو أبعد لمنطقة تعليمية ثانية، للتثبت من أحقية طالب النقل والمطالبة بإثبات الولاية مثلا لأحد الوالدين.
ويقع على الجامعات ومراكز البحث عبء دراسة هذه الحالات لإيجاد الحلول المناسبة لها.
وهي في اعتقادي لن تكون صعبة خاصة في مجتمعنا المحافظ على قيمه الدينية والاجتماعية، لأن جرائم العنف تتعارض مع قيم الإسلام ومبادئ التربية السليمة، وما يحتاجه كثير من الأسر هو التوجيه السليم للتعامل مع الأبناء أو الوالدين، وخير شاهد على ذلك ما يدور في كثير من البرامج الاجتماعية التي تبثها بعض القنوات الإعلامية والتي يتصدى فيها بعض أساتذة الاجتماع وعلم النفس للإجابة عن أسئلة المشاهدين، فكثيرا ما تحفل أسئلة المتصلين باستفسارات حول كيفية التعامل مع طفل لديه فرط حركة مثلا، أو مع طفل أو شاب يقضي وقته منعزلا عن أسرته، أو مع زوج يقضي وقته إلى ساعات متأخرة خارج المنزل، وهي في حال الأبناء قد تؤدي إلى التعنيف أو العنف، وفي حال الزوجين قد تؤدي إلى العنف أيضا وخاصة ضد المرأة أو الطلاق، رغم أن الأمر لا يحتاج أكثر من أن يقوم كل فرد بواجبه في جو من التفاهم وسيادة العقل.