مع تكرار النزاعات العسكرية في العالم العربي، وآخرها عاصفة الحزم الوقائية في اليمن، فشل التاريخ والزمان والمنطق في إقناع المؤسسات الصحفية الرسمية في السعودية بأهمية دور المراسل الحربي لتغطية أخبار المعارك بعيون سعودية، وللقارئ والمستمع والمشاهد السعودي.
في العقود الماضية باتت الحرب حدّا خامسا يحيق بالسعودية مع كل دورة اضطراب في المناخ السياسي الملتهب بالمنطقة.
وبات هناك "رزنامة" حروب عشرية تنشب هنا أو هناك بجوار حدودنا الواسعة.
وبات غياب الصحافة السعودية عن كل ميادين المناطق الساخنة حولها غير مبرر.
السعوديون عادة هم من أكثر شعوب الأرض مناداة بالتخصص وفي كل المجالات، في المقابل يؤكد الواقع أن بلاط صاحبة الجلالة آخر من يطبق هذه الدعوى عمليا، فعلى الرغم من وجود نحو 20 صحيفة ومجلة ودورية في السعودية إلا أنها لم تهتم قط بتأهيل وتدريب كوادر صحفية متخصصة في أخبار الحروب والمعارك العسكرية.
وعلى الرغم من توفر خمس شعب لتدريس علوم الصحافة في أقسام الإعلام بالجامعات الرئيسة، إلا أنها جميعا لم تهتم قط بتوفير تخصص للصحافة العسكرية.
في أحداث الثورات العربية جميعها لم تخصص الصحف السعودية أي مراسل لتغطيتها من أرض الحدث على الرغم من أن الاستثمارات السعودية هي الأكبر حصة في اقتصادات جميع الدول العربية، علاوة على أن في كثير منها أملاكا ومنازل للسعوديين، وكثير من أبنائنا الطلاب والطالبات يدرسون فيها! هذا الغياب، يطرح سؤالا جادا: ما هو مستقبل الصحافة الورقية في ظل التطور الهائل للإعلام الالكتروني ووسائط الاتصال الاجتماعي، حيث بات قراء الصحف يتابعون أولا بأول الأحداث من خلالها وعلى مدار 24 ساعة يوميا؟ ومع غياب الأخبار والتقارير والقصص الخاصة ضعف موقف الصحافة الورقية، خصوصا في التوزيع والانتشار الهابط بشكل واضح عاما بعد عام، بسبب غياب الصحفيين المتخصصين في جسم هيئاتها التحريرية، وعجز معظم مواقعها الالكترونية عن منافسة هذه الوسائل اللحظية.
ظهرت الصحافة العسكرية مرادفة مع نشأة الصحف بعد اختراع آلة الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.
وظهرت المطبعة في الجزيرة العربية في عام 1300 هـ 1880 م في عهد الوالي التركي عثمان نوري باشا، وعرفت السعودية الصحف في عام 1326هـ 1908م بعد ربع قرن من دخول المطبعة إلى أرض الحجاز.
ومع تزايد التطورات السياسية والعسكرية نتيجة سلسلة الحروب التي شهدتها المنطقة وما تبعها من الاهتمام لدى القراء بمختلف أطياف اهتماماتهم الفكرية والاقتصادية ومستوياتهم التعليمية، اقتصر دور وسائل الإعلام المحلية المختلفة بشكل عام على جمع الأخبار والتقارير المرسلة من مراسليها غير السعوديين في الدول الأخرى، ومن وكالات الأنباء أو ترجمتها من وسائل الإعلام الدولي.
لم تلتفت الصحف المحلية إلى أهمية هذا الأمر، على الرغم من أن ذلك يعد من صميم عملها لخدمة معظم قرائها في الداخل.
ولم تعط قدرا ملحوظا من الاهتمام لهذا الأمر ذي التخصص الدقيق، فغابت الصفحات المتخصصة في شرح ما يحدث في أرض المعركة تلبية لحاجيات قرائها الماسة لمعرفة تفاصيل ما بعد الخبر الذي سيطرت عليه وسائل الاتصال والإعلام الفورية كالفضائيات والإذاعات ونشرات وكالات الأنباء في الانترنت.
يعتبر معهد سنتريون http://www.
centurionsafety.
net/ الذي أسس في عام 1995 من أكثر المعاهد العالمية التي تقوم بتدريب "المراسلين الحربيين" على مستوى العالم.
وهو شركة محدودة مملوكة للقطاع الخاص مقرها في المملكة المتحدة، ويعمل بها أفراد من الجيش البريطاني السابق، وغالبيتهم من مشاة البحرية الملكية.
ويقدم المعهد القالب التدريبي للبيئة المعادية في جميع أنحاء العالم، والتي تعتبر دورة إلزامية قبل المغادرة لجميع مراسلي المحطات العالمية.
وأظهرت ميزانية إحدى الصحف السعودية الدولية (قبل سنوات) أنها تنفق على شراء هذه الخدمات الخاصة نحو مليون دولار سنويا! وهو رقم كاف لتأهيل كتيبة من مراسليها السعوديين في مختلف فروع تخصصات الصحافة العسكرية لو أرادت إدارتها ذلك حقا.
المؤكد أن الحروب كانت ولا تزال من أهم أسباب تقدم الصحافة في العالم، من خلال السعي وراء أخبار وقصص المعارك ونشرها، فالحروب ـ وفقا للدكتور حسنين عبدالقادر صاحب كتاب (الصحافة مصدر للتاريخ، الطبعة الثانية 1960م، مكتبة الأنجلو القاهرة) "تفتح الشهية دائما للأخبار".
وبحسب دراسة عن الشؤون العسكرية في الصحافة المصرية كتب الدكتور محمد عبدالحميد أحمد، أستاذ الصحافة بجامعة حلوان يقول "أدت هذه الحروب إلى تطوير نشاط المراسلين وعزمهم على رفع مستوى المهارة الفنية في خدمات جليلة للأنباء، فقد كانوا يسارعون لتصوير الأخبار وقوفا على ظهور الخيل والبغال والحمير والزوارق البخارية".
وأضاف: أدت الحروب والمعارك العسكرية إلى إرسال الصحفيين إلى مواقع القتال فعرفت الصحافة مهمة المراسل الحربي الذي ينتقل إلى ميادين الحرب، ويختلط بالجنود وينقل أخبار المعارك وصورها وما يحدث فيها من مواقف إنسانية، وما يقوم بين القادة من رسم للخطط العسكرية وتغييرها وفقا لسير المعارك.
مشيرا إلى أنه "خلال الحرب العالمية الأولى أوفدت وكالة رويتر وحدها 115 مراسلا حربيا إلى مواقع القتال المختلفة، لقي 15 مراسلا منهم مصرعهم وفقد منهم كثيرون".
وقد شهدت المعارك العسكرية كثيرا من المصورين والمراسلين الذين ضحوا بحياتهم وهم يؤدون أعمالهم مثلهم في ذلك مثل الجنود الذين يحملون المدفع ويضعون أرواحهم في أيديهم وهم يخوضون القتال في ساحة الميدان".
هناك حادثتان تستحقان الاهتمام لمعرفة الفرق في التعامل بين الصحفيين في العالمين الغربي والعربي.
أولاهما حادثة الصحفي الأمريكي بيتر آرنيت الذي صرفته القناة الأمريكية "NBC" لانتقاده استراتيجية الولايات المتحدة في الحرب على العراق ( 2003م) وإعلانه فشل الخطط الحربية، واستقطبته على الفور صحيفة الديلي ميرور تحت ما نشيت عريض "صرفته أمريكا لقوله الحقيقة ووظفته الديلي ميرور لمواصلة قول هذه الحقيقة"! وفي حرب العراق سمح لأول مرة للصحافة العسكرية التابعة لدول التحالف بمرافقة القوات الحربية أثناء المعارك الدائرة هناك.
وسمحت وزارة الدفاع الأمريكية بذلك وفق شروط معينة، بل إنها لم تتردد في طرد جيرالدو ريفيرا مراسل قناة فوكس نيوز الأمريكية الذي كان يرافق الفرقة 101 المحمولة جوا في جنوب العراق بسبب تضمين تقريره الصحفي مواقع منطقة عمليات الفرقة وتهديده ـ بحسب القائد الميداني ـ بعرض أمن العمليات للخطر! خلال مؤتمرات الإيجاز اليومي للمتحدث الرسمي لعاصفة الحزم في الرياض ظهر بجلاء مستوى الأسئلة التي يطرحها الصحفيون، وهي تغني عن كل قول هنا.
فمتى تفيق مؤسساتنا الإعلامية المحلية لتنقذ نفسها أولا ـ بتأهيل كوادرها الصحفية الشابة ـ لمواجهة نزيف القراء لنسخها الورقية والالكترونية، فضلا عن حربها الضروس مع وسائط الإعلام الجديد؟