ولد جُحا في النصف الثاني من القرن الأوّل الهجري (60هـ)، أوّل من ذكره الجاحظ حين أَورد في كتابه (القول في البغال).
جحا شخصية عربية مثيرة للعاقلين، ومضحكة للساخرين، ومحل تأمل المربين، يبحث عن حل ويقع في ظلام الغاضبين، تنهال عليه أساطير الأولين، الحماقة عنوان ملصق على جبينه، فإذا لبس تاج الحكمة، دُهش الغابرون من صنيعه! سليط اللسان، ثقيل المقام، نام جحا تحت الثرى وخلّف موروثا شعبيا، ومنهجا ساخرا، ألا وهو منهج الحماقة! الحاجات الاجتماعية تتيح للمبدعين إبراز إبداعاتهم، وكما تعلم أن السوق عرض وطلب، فلو كان جحا يتعايش معنا، لأصبح ذا شهرة عالمية واسعة، نجد حسابات التواصل لا تخلو من فديوهاته، وصوره وكلماته الرنانة التي تدعو إلى الحماقة الفعالة، وكذلك لا تخلو الدورات التطويرية من دورات جحا: كيف تكون أحمق ناجحا؟ كاريزما الحماقة! وطور حماقتك وسذاجتك مع جحا! المستهدفون: الحمقى - السُذّج - الإمعة.
وفي معرض الكتاب تجد مؤلفات جحا الأكثر مبيعا ورواجا منها: هل تريد أن يسخر منك الآخرون؟ وفي الجانب الآخر يحظى بتوقيع رواية «حماقة منذ الصغر»، وسوف يُقلد جحا وسام القيادة الأحمقية، فيكتسح الشهرة عرضا وطولا، وهنا كثير ممن يسير على نهجه في مجتمعنا بل يتبعه القذة بالقذة ولا يزيغ عنه إلا عاقل، ويطلق على هؤلاء التُبّع (الجحويون).
وهم باختصار أصحاب البرامج الفضائحية الساخرة، يظهرون على قنوات اليوتيوب والكيك وتويتر والانستقرام وغيرها من البرامج الشائعة لإظهار سخافاتهم الحمقاء زعما بأنهم يعالجون بعض القضايا الاجتماعية، تحت مسمى (الوناسة والطقطقة) حتى وإن كانت نواياهم سليمة، فقد يصلحون شيئا ويهدمون أشياء، وهنا نسلط الضوء على السلوك فقط، يستطيعون أن يخرجوا من جلابيبهم وأن يفكروا بطرق أخرى غير هذه الطريقة الممجوجة أخلاقيا، والمرفوضة دينيا.
المعطيات والواقع أبلغ من الوصف! ولا بد من تغيير اللون الأسود بالأبيض والجحويين بالناجحين، والسلوك المستخرب بالصحيح، وأن نتنفس النجاح شهيقا والفشل زفيرا، وأن نبدل ثوب التبعية بالإبداع، وأن نؤسلم الدخائل علينا، وألا نوحل في الملهيات، فتقودنا إلى المعاصي.
يقول الجاحظ «لا تجالس الحمقى؛ فإنه يعلق بك من مجالستهم يوما من الفساد ما يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرا من الصلاح، فإن الفساد أشد التحاما بالطبائع».
كاريزما الحماقة..!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
