كان لا بد من كبح جماحها، فيما الإقليم ينوء بنزاعات أهلية مفتوحة أدمت قلوب العرب والمسلمين.
فقد استبد الغرور بالحوثيين وبلغ سيله الزبى.
وفي غمرة نشوتهم، فقدوا أية قدرة على التأمل والتفكير لاستخلاص العبر.
هؤلاء، الذين يتنطحون لتمثيل أتباع الزيدية، ليسوا إلا من مذهب مختلف وإن كان قد تفرع من الزيدية أصلاً، هو الجارودية الاثني عشرية، التي باتت تُعرف بكونها مذهباً شيعياً يمنياً مستقلاً.
وعندما فعل الحوثيون ذلك، تعمدوا إيقاع الفارق بين زيدية قبلية هادوية (نسبة إلى الإمام الملقب بالهادي وهو يحيى بن الحسين الذي قاتل القرامطة في القرن العاشر الميلادي) وزيديتهم الشيعية.
كأن ذلك كان تمريناً على إيقاع الفتنة بين اليمينين، بدءاً بالفتنة بين أهالي صعدة.
لذا تسلحوا حتى النواجز، واستغلوا المصاعب الاقتصادية ووقائع التهميش والظلم التي تعرض لها الشماليون، لكي يحشدوا البسطاء من شمالي اليمن تحت رايتهم.
وليس لاسمهم كحوثيين، أي معنى ذي صلة بالدين أو بالفقه أو بالتاريخ الإسلامي.
فقد تأسست جماعتهم على يد رجل يُدعى حسين بدر الدين الحوثي المولود في عام 1959م.
ومن المفارقات، أن كل شيء يتعلق بدوافع حركتهم، من ظلم وقتل وتهميش، لم يكن إلا من صنع حليفهم اليوم علي عبدالله صالح، أفعى اليمن وقاتل حسين الحوثي نفسه.
لكنها السياسة ومطمح إيران الإمبراطوري وغواية السلاح والمدد الخارجي.
فقد كانت لأهالي صعدة حاجاتهم التي يحتم المنطق الوقوف عندها دون زيادة أو نقصان.
فبعد أن حدث التغيير في اليمن، وصاغ ممثلو الشعب وثيقة الشراكة، وانطلق الحوار بعد إطاحة صالح، انفتح الأفق السلمي لحل المشكلات الاجتماعية ــ الاقتصادية.
لكن هؤلاء تبدلت مطالبهم، فأصبحوا يطالبون بما يؤسس للحرب التي تطحن اليمنيين جميعاً، بدل المطالبة بما يُنهي طحنهم وحسب.
بلغت بهم الصفاقة أن يطالبوا بموانئ خاصة، يتلقون عبرها السلاح من إيران.
لم يمتلك هؤلاء بعض الحكمة وبعض العقل، لكي يدركوا أنهم في الجزيرة العربية وأن القلق الأقلوي، لا يُستبدل بالعربدة الأقلوية وإنما بتبديد قلق اليمنيين جميعاً!سموا أنفسهم، على النحو التفصيلي «حركة أنصار الله».
وكأن نُصرة رب العالمين اقتصرت عليهم.
رفعوا شعارات الدين وفلسطين والموت لأمريكا، لكي ينزعوا عن الأغلبية اليمنية المعروفة بحماستها لدينها وعروبتها ولقضايا الأمة، صفات الوصل مع رب العالمين والتمسك بالدين والحماسة لقضايا العرب والمسلمين.
في تلك الأثناء، قبلوا على أنفسهم أن يتأبطوا تحالفاً مع قاتل حسين الحوثي وصاحب سياسات التهميش والإقصاء والفساد، والرجل الذي اتهمهم بأنهم عملاء ومدعومون من الخارج وانفصاليون معارضون للدستور، فكانت سقطتهم الأخلاقية البليغة، التي فيها خيانة لثورة اليمنيين ولأهالي صعدة ولمعتقداتهم.
أما علي عبدالله صالح، الذي حكم ما يزيد عن ثلاثين سنة وأسس جيش القبيلة لا جيش الدولة، وجيش الشخص لا جيش الشعب؛ فقد وجدها فرصته السانحة للانتقام من الجماهير التي أطاحته.
ولم يخطئ العنوان.
فقد زحف الحوثيون بمساعدة قطعات من الجيش، وواجهوا كل تظاهرة سلمية بالرصاص، واعتمدوا على القطعات العسكرية التابعة لصالح، لكي يتمددوا في أرجاء اليمن.
وتجلى غباؤهم، في طموحهم نفسه، إذ كيف يمكن لمنتحلين تمثيل مجموعة طائفية تعدادها لا يزيد عن 5% في شعب اليمن (30 مليوناً) أن يحكموا بلداً في أدنى درجات اجتماعه السياسي وفي أعلى درجات تعلقه بالدين والقبيلة؟ لقد كانت هيمنتهم، في حال تكريسها، هي إشارة بدء نزاع أهلي مفتوح، يتذابح في سياقاته اليمنيون.
لذا كان التحالف العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية، لكبح جماحهم، ولإنقاذ اليمن بطلب من الحكومة الشرعية؛ هو الوصفة الوحيدة لوقف عربدة الحوثيين المتمادية وإحالة صالح إلى مزبلة التاريخ!