من الكلمات الَّتي فُرِّغَتْ مِنْ معناها، لكثرة دَوَرَانها على الألسن، كلمة «مُبْدِع»، ولا تكاد تَجْلس في مجتمعٍ أدبيّ حتَّى تسمع هذه الكلمة الَّتي أضحتْ جُزْءًا مِنْ تعريف الشُّعراء والمُنْشِئين، ولعلَّ أحدنا يقرأ في عين الأديب ما يُشْبه اللَّوم إنْ لمْ يُتْبِعِ اسمه كلمةَ «مُبْدِع»، دون أنْ نتحقَّق صِدقَ هذه الكلمة وانطباقها على صاحبها
وللكلمة تاريخ موغِلٌ في القِدَم، نُمْسِك بأثرٍ منه في حِضْن الحركة الرُّومنطيقيَّة
فعند منظِّري هذه الحركة ليس الشَّاعر سوى مبدعٍ يخلق كلماته، وليست عمليَّة الإبداع إلَّا خَلْقًا مِنْ عدم
وعلى ما في هذه العبارة مِنْ تَزَيُّدٍ وادِّعاء فإنَّها شاعتْ في نظريَّة الأدب وارتضاها الشُّعراء والنُّقَّاد، وأصبحتِ اليومَ مِنْ مأثور كلام الأدباء حين يُصْبِحون وحين يُمْسُون
ولا مُشَاحَّة فيما ارتضاه أهل الصَّنعة، فهم أدرى بمصطلحهم، لكنَّ المشكلة أنَّ ذيوع هذه الكلمة أزرَى بها، حتَّى نزلتْ إلى دركةِ أنْ تُطْلَق على كلّ مَنْ أنشأ قصيدة، ولو كانتْ ليِّنةً، أوْ عالَجَ قِصَّةً، وإنْ دَاخَلَهَا ضَعْف، دُون أنْ نَفْصِل ما بين الشَّاعر والشَّاعر، وما بين القاصّ والقاصّ
ولوْ وقف الأمر عند حدود المصانعة وما يقتضيه مقام التَّأدُّب مِنْ عبارات لخفَّ وَقْعها، فالمقام ليس مقام نقدٍ ودرْس، لكنَّ هذه الكلمة خرجتْ عنْ حدودها الاجتماعيَّة، وتَدَسَّسَتْ في عبارات الدَّارسين، وأُطْلِقَتْ على السَّوابق والمصلِّين، وفي ذلك عُدُولٌ عنْ مقاييس النَّقْد والجَمَال، وتَسْوِيَةٌ في غير محلّها، وابتذال للفنّ والأدب
كان أسلافنا مِنَ النُّقَّاد أكثر جُرْأَةً فيما عالجوه مِنْ أمر النَّقْد، ومَن يَظْهر على طَرَفٍ مِن كُتُبهم النَّقديَّة يَعْرف أنَّ الشُّعراء ليسوا سواء؛ ففيهم «الفَحْلُ»، و»المُقْحَمُ»، و»المُفْحَمُ»، و»المُغَلَّبُ»، وأنزلوا الشُّعراء على «طَبَقَاتٍ»، وحفظوا للشَّاعر حظّه مِنَ الإجادة، بمقدار ما له مِنَ الكثرة والسَّيرورة والأبيات الشَّوارد
والَّذي أميل إليه أنَّ نَقْدنا العربيّ الحديث ينبغي له أنْ يتقيَّل النَّقْد القديم في صلابته تجاه الأدباء المُنْشِئين، وفي تخيُّره للمصطلحات
فهلْ باستطاعة ناقدٍ اليومَ أن يُوَزِّع الشُّعراء على فُحُول وغير فُحول؟ وهلْ يُسْعفنا نَقْدنا الحديث بتنزيل شُعرائنا على «طَبَقَات»؟ إنَّ ذلك لوْ حدث سيحفظ بقيَّةً مِنْ ذوق، وأَثَارةً مِنْ جَمَال