عندما يكون الحزم عاصفة، فلا بد أن تؤتي ثمارها المرجوة، وتضع أمور اليمن الحبيبة في نصابها الصحيح والحقيقي في عمقها العربي، فدائما ما يقول العرب عند التحدث عن نشأة العرب الأولى “أصل العرب من اليمن”، فكيف تجرؤ طغمة مزيفة أن تقتطع كل هذا التاريخ العربي الممتد، وتهدي يمن الحضارة والتاريخ إلى الأمة الفارسية.
قيّض الله لهذه العاصفة الملك الحكيم سلمان ـ يحفظه الله ـ بحنكته وذكائه وحزمه، فأحيا في قلوبنا العربية المكلومة أمل الوحدة العربية، بعد أن عصفت بنا الفرقة خلف سراب التبعيات والمذهبيات والإيديولوجيات التي لم تثمر في منطقتنا العربية إلا مراوح الموت المتحركة الشرسة، فأصبح القتل ثقافة عربية بامتياز، وأمعن الموت قتلا يتخصص في الرؤوس العربية.
سبق أن كتبت مقالا في هذه الصحيفة بعنوان “ما لا يدركه المشايخ” شرحت فيه اعتماد أعداء الأمة على نظرية التفكيك “فرق تسد” وعزفهم الرهيب على وتر الطوائف والمذهبيات، وانجرار الكثير من المشايخ دون قصد إلى توسيع الهوة بين الفرقاء العرب، والعزف على وتر الطائفية بتشنج وخطاب ملتهب يذكي في الآخر العداء والبغض، ويتحين كل طرف الانقضاض على الآخر، وهذا ما نراه اليوم في العراق وسوريا، وكيف أشغل الطائفيون والمذهبيون بكافة أطيافهم الثوار عن هدف ثورتهم السورية، حتى دمروا سوريا والعراق، وكل فصيل لديه من الأدلة الدينية النقلية ما يؤيد حجته في تكفير غريمه وقتله.
استغلّ الطائفيون ثورات الربيع العربي، وتربصوا بها، وكوّنوا الولاءات الداخلية والخارجية من أجل التمكن من اختطاف تلك الثورات، وكثرت الحسابات السياسية والنفعية لكثير من الأطراف على حساب الشعوب المقهورة، فتحرك الإخوان في مصر، وتحركت الفرق السنية والشيعية في العراق وسوريا، وتحرك الحوثيون في اليمن، وها هي ليبيا تستعر حربا مدمرة أبت أن تحط أوزارها، كل هذه الحركات تجد من يغذيها من الخارج، ليضمن السيطرة من خلال فصيل معين على توجهات هذا القطر، وكانت فرصة ثمينة للفرس أن يحققوا نفوذهم وسيطرتهم على الأوطان العربية، التي اخترقوها تحت الغطاء المذهبي الزائف.
بعد كسر أنف الفرس في مملكة البحرين، اجتهدوا في تقوية جبهتهم في اليمن من خلال الحوثيين، فأمدوهم بالسلاح والمال والدعم والتدريب، وغفل اليمنيون رغم حروبهم الست مع الحوثيين عن عمقهم العربي، وأعمى الغضب والانتقام من الشعب اليمني عيون المخلوع علي عبدالله صالح، فمن أجل العودة إلى كرسي الرئاسة، أهدى اليمن إلى الفرس، وحاول نزعها بعنف من عمقها العربي، فكان الموقف لا يحتمل السكوت، وعضو عربي ينزع عنوة بكل قسوة، وتأخذه إيران هنيئا مريئا؛ لتجعله سكينا في خاصرة العرب.
حكمة سلمان، وغليان الدم العربي في عروق الحلفاء العرب، واستغاثة هادي، وحب اليمن، والشرعية العربية والعالمية خلقت “عاصفة الحزم” وأيقظت الجامعة العربية من سباتها، لترميم صورة الأمة العربية، وانتشال الشعوب المقهورة والمسحوقة من أمام دواليب التبعيات المشبوهة، وتفكيك المخططات العدائية للفرس وغيرهم، فالعرب أولى الناس بتقرير مصير بلدانهم، وتوجيه مسار أمتهم إلى الوجهة الصحيحة التي تليق بأمة ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، ومن أعظم الجرائم أن تموت هادئة على هامشها.
هبّت عاصفة الحزم بكل قوة وذكاء، فهبت نسائم العزة العربية معها، وهي عاصفة قومية عربية، يفسدها من يحاول إلباسها العباءة الدينية، فكل أطراف القضية مسلمون عرب، وهدف العاصفة إعادة اليمن إلى هويتها العربية، واجتثاث الطغمة الشاذة الموالية لقومية خارج محيطها العربي، سواء كان دافعها المعتقد أم المذهب أم النفوذ، ولن يكون هدف عاصفة الحزم أقل من تجريد هؤلاء المختلين هوويا من السلاح الذي يهددون به أمن المنطقة، سواء على مستوى اليمن أم على المستوى الإقليمي.
عاصفة الحزم نقطة تحول كبرى في الواقع العربي اليوم، نقطة عزة وكرامة لأمة مكلومة، ستجعل الآخرين يعيدون حساباتهم التي كونوها إبان عصور الاكتفاء بالشجب العربي، وها هي أولى الثمار اتفاق العرب على تكوين نواة قوة ردع عربية، ربما تكون اختيارية في البدء، لكني أجزم بأنها ستكون قوة منظمة مدعومة من كل الأشقاء العرب، تحفظ هيبة الأمة، وتصون قرارات الجامعة العربية.
كأني بعاصفة الحزم تهز الأشجار الخبيثة التي نمت في بلاد الشام والعراق حتى تختل جذورها، وتحد من طموحات كل الطامعين في المنطقة العربية، سواء من أصحاب الأجندات المشبوهة من داخل الأمة، أو من خارجها، وهي بكل ثقة تجتث سرطان فارس من جسد اليمن، وترسل رسائلها السامية إلى العالم أجمع، بأن أسود الأمة العربية لا ينامون على الضيم، وليتها تكون نواة عواصف أخرى، فإن فرح الطامعون باختطاف ربيع العرب، فقد جاءهم الصيف الآن بعواصفه المزلزلة ونار شمسه المحرقة.
صيف العرب العاصف!
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
