عندما رفضت روزا باركس الأمريكية من أصل أفريقي التخلي عن مقعدها في الباص لشخص أبيض، سجلت بذلك أهم حدث في تاريخ الولايات المتحدة؛ لأنها كانت سببا في إطلاق حركة مقاطعة الباصات في ولاية مونتجومري في 1960، وعلى إثرها بدأت تتشكل عملية إلغاء التمييز العنصري الذي كان سائدا في ذلك الوقت ضد الأفارقة
نوال هوساوي، هي روزا باركس السعودية، حيث كانت تقف في طابور مخصص للسيدات الحوامل بأحد مراكز التسوق في مكة المكرمة، وفجأة وقفن أمام عربة طفلها، دون استئذان، ثلاث سيدات، وحينما طلبت منهن بكل لطف أن يخرجن من الصف قالت لها إحداهن «ما بقى إلا إنتي يا العبدة»
على الفور قامت نوال بتوثيق الموقف وما صاحبه من ألفاظ عنصرية لاحقه بهاتفها المحمول، وطلبت تدخل الشرطة فورا لتحيل القضية إلى القضاء السعودي، ثم أطلقت بعدها عبر موقع تويتر هاشتاق لنبذ العنصرية بنفس الوصف الذي نعتت به في مركز التسوق #العبدة
نوال هوساوي، المواطنة السعودية التي ولدت في مكة المكرمة «بداية الثمانينات الميلادية» بحي المسفلة، لم يكن هذا أول موقف عنصري تواجهه، ففي السادسة من عمرها عرفت أول معاني العنصرية حينما رفض طلب أحد أقربائها بالالتحاق في شركة طيران عربية؛ نتيجة لون بشرته - كما يعتقد - وهو ما دفعها منذ طفولتها أن تتساءل: ما سر لون البشرة الذي أغضب قريبها؟ وعندما بلغت العشرين تقدمت بطلب للالتحاق بالتلفزيون كمذيعة، وبعد تجاوزها لاختبار الأداء بتفوق عال، رفض أحد المسؤولين في تلفزيون مكة ظهورها، موصيا بأن يستفاد منها إذاعيا فقط؛ كون الظهور التلفزيوني مقترنا بالجميلات فقط حتى إن قلت قدراتهن
وعلى الفور اعتذرت عن قبول العرض الإذاعي لأنها رأته تصرفا عنصريا، خصوصا أن والدها إبراهيم هوساوي هو أحد أهم مربي الأجيال في مكة المكرمة أفنى حياته في تربية وتعليم أبناء العاصمة المقدسة باختلاف ألوانهم وأطيافهم، كما ربى أبناءه الخمسة عشر على الاعتزاز بالنفس ونبذ العنصرية والتفرقة، وبذل من أجل ذلك مجهودا عظيما
بعدما تخرجت نوال من من كلية التربية التابعة لجامعة أم القرى في تخصص بكالوريوس أدب إنجليزي وترجمة، التحقت بمستشفى حراء للعمل كمترجمة، وأظهرت تفوقا والتزاما في العمل مما ساعدها على التدرج التوظيفي عاما بعد آخر، وأثناء عملها اقترنت بزوجها الأول آرون «أمريكي الجنسية»، الذي كان يعمل معلما في مدرسة أهلية، ويرغب في الاقتران بزوجة مسلمة تكون أما لأطفاله الذين يود لهم أن يتقنوا لغة القرآن مستقبلا
في 2004 مرضت والدة آرون بالسرطان واضطرت نوال لمرافقة زوجها إلى الولايات المتحدة، لكنهما وصلا متأخرين، حيث دخلت والدته في غيبوبة وبعدها بأيام قليلة توفيت، مما أصابه بصدمة كبيرة، كون والدته توفيت على غير الإسلام، فشعر بالذنب نتيجة بعده عنها، وقرر وزوجته البقاء في أمريكا، واستمرا معا حتى انفصلا في 2007، لتبدأ بعدها رحلة كفاح من نوع آخر
جمعت نوال في 2008 بين دراسة الماجستير تخصص «الاستشارات النفسية والعلاج الأسري» ووظيفتها الحكومية في ولاية أوهايو كأخصائية اجتماعية تخصص حماية أطفال، حيث كان لخبرتها في العمل التطوعي بعد وصولها لأمريكا في الجمعيات الخيرية لخدمة الأسر المسلمة المهاجرة دور مهم في تأهيلها لهذه الوظيفة الحكومية، وبذلك قررت أن تستفيد من وقتها في دراسة الماجستير وبدء دورات دراسة الطيران
ولأنها كانت مصممة على النجاح وتحقيق حلمها في أن تحلق بطائرة، استطاعت بعد عام أن تحصل على الرخصة الأمريكية الفدرالية في الطيران، وبدأت في البحث عن وظيفة مناسبة في إحدى الدول الأوروبية، ولكن هذا الهدف تأجل لأنها اقترنت بزوجها الثاني ديفيد «أمريكي الجنسية»، الذي فضلت البقاء معه في أمريكا والتفرغ لإكمال أعمالها التطوعية بجانب عملها في مركز معالجة المدمنين في أوهايو
اليوم تبدأ نوال هوساوي مشروعها الأخير بنبذ العنصرية، من خلال إصرارها على مواصلة قضيتها أمام القضاء، مسلحة بيقينها أن الدين الإسلامي الحنيف الذي نبذ التفرقة بين البشر سينصرها في نهاية المطاف
نوال هوساوي روزا باركس السعودية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
