فاتحة جديدة ترسمها (عاصفة الحزم) لإعادة التوازنات في المنطقة العربية، فقد استنفدت المملكة ودول الخليج كافة السبل التي كان من الممكن أن تصل إلى حل سياسي في اليمن يعيد له شرعيته الدستورية، ويحفظ للبلد أمنه ومقدراته، ونسيجه الاجتماعي.
لكن ميليشيا الحوثي المسلحة رفضت كافة الحلول وشعرت بنشوة السيطرة على العاصمة صنعاء، ومنها انطلقت نحو بقية المحافظات تقتل وتخرّب وتتحدى إرادة اليمنيين الذين فوجئوا بانقلاب الجماعة عليهم وعلى وطنهم وهم الذين كانوا يتحدثون باسم الحقوق الشعبية، فإذا بهم يخضعون اليمن لإرادة خارجية تحاول فصله وانتزاعه من محيطه العربي والإسلامي.
ومع ذلك كانت المملكة وشقيقاتها دول الخليج تفضل الحل السياسي الذي لم يُغفل الحوثيين كمكوّن يمني، وعملت على عقد حوار يضم كافة الأطراف اليمنية تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي تستضيفه العاصمة الرياض تلبية لطلب الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي، لكن ميليشيا الحوثي رفضت مبدأ الحوار حتى مع عرض التحاور في الدوحة والتوقيع على مخرجاته في الرياض، وصعّدت الجماعة الموقف إلى لغة عدائية ضد المملكة ودول الخليج.
ومع معرفة المملكة وشقيقاتها الخليجية بذلك المنطق المفضوح إلا أنها كانت تسير وفق سياستها الناعمة لتقديم الحلول الدبلوماسية على غيرها، وفي المقابل كانت جماعة الحوثي تتقدم نحو احتلال بقية المدن اليمنية حتى أصبحت على بعد 10 كيلومترات من (عدن)، لتنفذ بذلك السياسة الإيرانية الرامية إلى السيطرة على الممرات البحرية، وضم باب المندب إلى مضيق هرمز الذي تسيطر عليه بفعل عوامل الجغرافيا، ومع الدعم الإيراني كانت ألوية عسكرية موالية للرئيس المخلوع علي صالح وبقيادة ابنه أحمد تساند مسلحي الحوثي وتتجه بالبلد نحو المجهول.
ولم يكن لدول الخليج أن تقف موقف المتفرج أمام هذه الأحداث المتغيرة لحظيا على الأرض، بل كان القرار التاريخي الذي اتخذه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله وقادة دول الخليج الأربع بالتدخل العسكري وانطلاق (عاصفة الحزم) لتكون حدا فاصلا في مشهد تمرد الحوثي وتدخلات إيران ومراوغات علي صالح.
لقد جاءت الضربة في موعدها، فمع طول النفس وتقديم الحلول السلمية كانت الخطط تعد لإنقاذ اليمن من الفوضى التي أحدثتها جماعة الانقلاب الحوثية ومآرب علي صالح في عودته لسدة الرئاسة عبر نجله، فما كان للرئيس الشرعي إلا دعوة إخوته قادة الخليج للتدخل العسكري حسب البند (51) من ميثاق الأمم المتحدة لحفظ اليمن من الضياع وسيطرة الفوضى ومنطق السلاح، وجاءت النصرة والاستجابة سريعا ما يعكس الإرادة السياسية الصارمة والقراءة البعيدة للمشهد والجاهزية العالية للقوات المسلحة بعد تمدد الحوثيين على الأرض وزيادة التدخلات والدعم الصفوي والبدء في تنفيذ خطط الخبراء الإيرانيين وزيادة رحلات الإمداد بين طهران وصنعاء.
هنا كان القرار الحكيم والشجاع لدول الخليج وبمشاركة خمس دول عربية وإسلامية في العمل العسكري لإعادة الأمور إلى نصابها، فجماعة الحوثي القافزة على الشرعية والمتربصة باليمن لتنفيذ الإيدلوجيا الإيرانية للتوسع في المنطقة لا تعترف إلا بمنطق القوة، فهي عصابة فوضوية ومن الفوضى لا يمكن البحث عن بدائل أخرى سوى إيقافها وإنقاذ اليمن من أعمالها الإرهابية التي أوقعتها بحق اليمن أرضا وإنسانا، فكان انطلاق (صقور الجو) بداية التحول لإعادة التوازن داخل المجتمع اليمني المغلوب على أمره أمام تحالف الماكر علي صالح والحفاة القادمين لإدارة الدولة وإغفال بقية المكوّنات الشعبية اليمنية.
لقد وجدت (عاصفة الحزم) تأييدا عربيا وإسلاميا وعالميا على المستويين الرسمي والشعبي ولعل الإجماع العربي الذي شهده اجتماع وزراء الخارجية العرب في شرم الشيخ يوم الخميس الماضي وإقرار إنشاء قوة عربية مشتركة لصيانة الأمن القومي العربي، والاضطلاع بمهام التدخل العسكري السريع لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة الدول الأعضاء وسيادتها الوطنية، يعيد الأمل لدى الشعوب العربية بعمل مشترك يحفظ للأمة وجودها وأمنها وسلامتها، وبهذا تضع (عاصفة الحزم) المنطقة أمام صفحة جديدة تعيد الحق إلى نصابه، وتزن الأمور بموازينها، وتعطي لكل فعل قدره وأهميته.
لقد عكست ردود الفعل ما تتمتع به القيادة السعودية من تأثير وما للمملكة من ثقل جعل العالم يقف بإزاء الشرعية اليمنية التي أكدت المملكة على ضرورة انصياع كافة الأطراف لمنطق العقل والاحتكام للشرعية لكيلا يهوي اليمن إلى المجهول فكانت دعوة مجلسي التعاون والأمن لجماعة الحوثي بالعودة إلى المفاوضات عبر اتفاق الشراكة والمبادرة الخليجية، وعندما كان قرار التدخل العسكري كان الموقف مماثلا لسابقه حيث سجل هذا البعد العالمي الكبير، وأعطى رسالة جلية لكل من تسيّره الأطماع في تهديد أمن المنطقة العربية ودول الخليج عامة وحاضنة الحرمين الشريفين بصفة خاصة.