كان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لعراق في 2003 يستند إلى مزاعم كاذبة منذ البداية، وأدى ذلك الغزو غير الشرعي إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا العراقيين.
والأسوأ من ذلك أن الغزو والاحتلال الذي تلاه أدى إلى استمرار المحرقة العراقية التي بدأت فعليا في 1990 ولا تزال مستمرة حتى الآن.
وتشير التقديرات إلى أن ضحايا الحرب على العراق بين 2003 و 2007 بلغت أكثر من مليون قتيل.
هذه التقديرات تغطي الفترة التي سبقت بداية الصراع الطائفي الذي اندلع في العراق في الفترة ما بين 2006-2008، والتي ساهم تنظيم القاعدة والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في رفع أعداد الضحايا بشكل ملحوظ.
والآن، بعد مضي 12 سنة على الغزو، يمكن القول أن عدد الضحايا العراقيين وصل إلى عدة ملايين.
علاوة على ذلك، تسببت الذخائر المحرمة دوليا التي استخدمتها أمريكا في العراق، بما في ذلك اليورانيوم المنضب، بتلويث الهواء والمياه بمواد مشعة، وأدى ذلك بالنتيجة إلى ارتفاع نسبة الأطفال المولودين بتشوهات خلقية بشكل كبير في العراق.
ومع أن القضايا البيئية والصحية تثير القلق في العراق، إلا أنها تبدو باهتة عندما تُقارن بآثار أعمال العنف المستمرة التي تسببت بها إلى حد كبير السياسات الطائفية للحكومة العراقية.
بدلا من الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية التي وعد بها الغرب الشعب العراقي، شهِدنا انتهاكات لكرامة العراقيين بأساليب لا يمكن تخيلها من السنة والشيعة على حد سواء.
فكيف يبرر الغرب هذا العنف والقتل والدمار الذي تسبب به في العراق والشرق الأوسط بشكل عام؟ لولا الغزو الغربي للعراق لما واجه العالم اليوم خطر تنظيم داعش.
السياسة الطائفية التي مارستها حكومة المالكي أوجدت البيئة المثالية لظهور داعش.
ورغم أن حكومة المالكي استغلت السنة لمحاربة الإرهابيين في 2008، إلا أنها غدرت بهم بعد تراجع التهديد الإرهابي.
حاليا، يشارك الغرب في العمليات العسكرية ضد داعش في العراق، لكن الولايات المتحدة تنكر أتها ساهمت في خلق التطرف في هذا البلد.
استطلاعات الرأي في بريطانيا تشير إلى أن غالبية البريطانيين تعتقد أن الحرب على العراق كانت خاطئة، وهناك نسبة لا بأس بها من البريطانيين يعتقدون أن توني بلير يجب أن يحاكم كمجرم حبر بسبب دوره في الغزو وسقوط مئات آلاف الضحايا الذين سقطوا جراء ذلك.
ولكن عوضا عن ذلك، ها هو بلير وشريكه جورج بوش يتمتعان بالثروات الهائلة التي حصداها بشكل مباشر أو غير مباشر من الغزو، فيما يستمر النزيف في العراق دون وجود أكل في وقفه في الأفق.
هذا النفاق الغربي في العراق ليس جديدا.
عندما كانت مادلين أولبرايت وزيرة للخارجية الأمريكية، قالت في مقابلة مع قناة CBS للأخبار في مايو 1996 أن موت حوالي نصف مليون طفل عراقي بسبب العقوبات الاقتصادية ضد العراق في تلك الفترة "نعتقد أن الأمر يستحق ذلك الثمن.
" نصف مليون طفل عراقي بين 1991 و 1996، وملايين حتى الغزو العراقي وبعده حتى الآن.
إن عدم موت هؤلاء الضحايا في معسكرات الاعتقال وكونهم مسلمين وليسوا يهودا لا يقلل من حجم كارثة المحرقة العراقية، وعلى المجتمع الدولي أن يضع حدا لنزيف الدم الحالي في العراق بحلول لا تقتصر على استخدام القوة العسكرية.
* صحفي تركي (ديلي صباح)