مجموعات مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعرف أعضاؤها بعضهم بعضا، يدخلون في نقاش مواضيع مختلفة تتنوع بين سياسية واجتماعية وحتى دينية، ويطرحون آراء شخصية مجردة لا تستند على علم أو دراسة ولا حتى بحث، ومن ثم يبدأ تداول هذه المعلومات المغلوطة بين أفراد المجموعة لتنتقل إلى مجموعات أخرى، وهكذا يستمر انتشارها السرطاني في دائرة أوسع، لتجد الجماعات الإرهابية ضالتها في هذا المناخ المهيأ، لبث أي فكرة مهما كان مصدرها ومقدار صدقتيها.
طعم ومصيدة
ورغم ما تقدمه هذه المواقع من مساحات غير محدودة للتعارف والتقارب وتبادل المعلومات النافعة بين الناس في كل أنحاء العالم وعلى اختلاف مواقعهم وأديانهم وتوجهاتهم، إلا أنها أصبحت وسيلة سهلة تستهدف الشباب على وجه الخصوص، لبث الأفكار المتطرفة والآراء المضللة، بقصد تبنيها، باعتبارهم أكثر مرتادي هذه المواقع، والأسهل تلقيا للمعلومات حال غياب الرقابة، لتسيطر عليهم، حتى تصبح جزءا من اعتقاداتهم الدينية والسياسية والاجتماعية.
دراسات حديثة، أكدت أن تنظيم داعش استغل هذه المواقع، من أجل بث معلومات مضللة وأخبار كاذبة قام بنشرها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وكانت نتائجها كارثية على كل المستويات، وآخرها ما أعلنه التنظيم عن وجود وظائف للشباب في العراق، بغرض تحسين صورته أمام العالم، رغم أن الخبر عار عن الصحة.
رقابة ذاتية
وأكد المستشار التدريبي في مركز الجودة الشاملة بدبي علي صالح لـ»مكة» ضرورة التعرف على مجموعات التواصل قبل الاشتراك فيها، والتأكد من سلوك أعضائها واهتماماتهم الفكرية، والمعرفة الكاملة بأسماء المنضمين لتلك المجموعات، مع قراءة ما يتم تداوله بينهم بوعي وإدراك كاملين، والتبليغ عن أية رسالة أو أخبار تحمل في ثناياها أفكارا مشبوهة أو مضللة.
وبين علي صالح أن دور الجامعات والجهات المسؤولة يأتي بالدرجة الثانية، في إقامة الندوات والمنتديات التوعوية للشباب، لنشر ثقافة الوعي، وقبل كل ذلكلا بد من تعزيز روح الرقابة الذاتية لدى هؤلاء الشباب، حتى نضمن عدم وصول تأثير هذا الغزو الفكري المتطرف إلى عقولهم والسيطرة عليهم.
وكالة يقولون
فيما يرى المؤلف أحمد المنصور أن الحد من انتشار ظاهرة الأخبار المضللة، والأفكار المتطرفة التي تنتقل عبر وسائط التقنية الحديثة يبدأ من المنزل والأسرة والمدارس، مرورا بالمجالس ثم الجامعات، وينتهي بدور الجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة.
وركز المنصور على الدور الذي يمكن أن تلعبه الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة بهذا الأمر، للحد من خطر هذه التقنيات وتوجيه الشباب نحو الاستغلال الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعي، دون الانزلاق نحو المفاهيم الخاطئة والأفكار المضللة التي تنشر فيها، دون تأن أو إدراك لخطورة الرسائل مجهولة المصادر، والتي لا تحمل أي أساس من الصحة، لافتا إلى أن مساحة تأثيرها السلبي يزيد يوما بعد يوم بين أوساط الشباب، ليصبحوا رهائن في قبضة «وكالة يقولون».
الاستخدام الأمثل
من جهته، اعتبر الدكتور عبدالعزيز عبدالله أن زيادة معدل اللامبالاة ونشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والأفكار المضللة تخدم بصورة مباشرة الجماعات الإرهابية، وتسهل مهمتها للسيطرة على عقول الشباب، فتجعلهم وقودا لعملياتها المدمرة.
وشدد الدكتور عبدالعزيز على دور وسائل الإعلام المختلفة في توعية الشباب، وتبصيرهم بالاستخدام الأمثل لهذه التقنيات والمواقع، حتى يصبحوا في أمان من خطرها المدمر وعواقبها الجسيمة، إذ تشكل بذلك حاجزا منيعا يضمن عدم وقوعهم في هذه المخاطر المحدقة بهم في كل لحظة وآن.
خطر التقنية
بدوره، أكد همام الحمد (طالب جامعي) أن كثيرا من الشباب يسلم فكره وطموحاته لوسائل التقنية الحديثة، ويقع فريسة سهلة لها، دون إدراك أو تدبير، وذلك حين يتلقى رسائل ملغومة بالأفكار الهدامة ويعتقد في صحتها ثم يقوم من دون وعي بنقلها إلى أصدقاء آخرين، فمن هنا يبدأ استغلال التنظيمات الإرهابية لصغار السن من الشباب.
وأفاد الحمد بأن دور المدارس والجامعات يصبح مهما في التوعية من خطر هذه المواقع، وضرورة التعامل مع ما ينشر فيها بوعي وتدقيق، حتى لا تصبح سلاحا مدمرا في يد التنظيمات الإرهابية، ويسانده في ذلك زميله فهد الناصر في أهمية التثقيف المجتمعي عبر المدارس والجامعات وتجمعات الشباب بالأندية الرياضية والاجتماعية، لمحاصرة خطر التقنية والحد من نشر المعلومات الأفكار المضللة التي تنشرها المجموعات المتطرفة، لأن زيادة الوعي يسهم في القضاء على الشائعات والمعلومات غير الموثوقة.