أكد مقالي بالأسبوع الماضي على ضرورة البدء من تكوين رؤية واضحة عن احتياجات الطلاب التعليمية بالقرن الـ21، وملامح الثقافة الوطنية، والمعوقات، كي يتم التوصل للمسار الإصلاحي الذي يحقق الاستغلال الأمثل للوقت، والموارد، والجهود.
وقد صدر مؤخرا عن مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم العام (تطوير) وثيقة بعنوان: الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام.
حددت تلك الوثيقة جوانب مهمة من الاحتياجات التعليمية للطلاب بالقرن الجديد، وعددا من المعوقات وعناصر التطوير الممكنة شملت المناهج، والمعلمين، والمدارس، إلخ.
ونتيجة لوضوح الرؤية لدى القائمين بالمشروع، تمت صياغة الاستراتيجية ليكون الطالب هو محورها الأهم ورأس المال الوطني الأثمن.
بالخطوة المقبلة، سنكون بحاجة إلى وضع ترجمة عملية لتلك الاستراتيجية، تفصل كل ما يجب أن يتعلمه الطلاب، وما ينبغي أن يقوم بتدريسه المعلمون.
ومن بين أهم الأدوات المرشدة للتنفيذ الفعلي للاستراتيجية هو "المنهج الوطني" الذي يقوم بتحديد: (1) مجالات المعرفة (ومنها المواد) والقدرات، (2) أساليب التقييم، (3) التقارير الدورية (تحصيل الطلاب وإنجازاتهم التعليمية).
لقد شهدت البيئة التعليمية المحلية جهودا كبيرة لتطوير المناهج السعودية، نتج عنها تغيير ملحوظ للمحتوى والقدرات وأساليب التدريس، ولكن يبدو أن تلك الجهود لم تكن متكاملة أو متصلة بوضوح، حيث لم تعرض ضمن إطار واحد متسق، يحدد مجالات المعرفة والمواد، ويعرض توصيفاتها وكيف ترتبط فيما بينها ضمن المرحلة الدراسية الواحدة، وكيف ترتبط خلال المراحل الدراسية المختلفة من الابتدائية وحتى الثانوية، ويحدد أيضا القدرات والقيم الأخلاقية الإسلامية والاجتماعية المعاصرة، ويعرض كيف يتم دمجها ضمن توصيفات المواد بالمرحلة الواحدة وخلال بقية المراحل، متأثرة بمستوى وطبيعة المجال المعرفي للمادة وأدواتها.
لست بصدد تحديد مجالات المعرفة والقدرات الملائمة لاحتياجات الأبناء بالقرن الحالي، فالدراسات المحلية وتجارب الدول المتقدمة غنية ومتطورة للإجابة.
ولكني أريد توجيه الانتباه إلى حاجتنا الماسة لتوفير إطار شامل وعرض واضح ومنظم للمنهج الوطني، ليكون مرجعا رئيسا لعمليات بناء وتطوير المناهج السعودية (أو المواد)، فيحد من أعمال الترجمة للمناهج الأجنبية، إن صح ما يعتقده البعض بخصوص ذلك، ونأمل من المسؤولين إتاحة ذلك المنهج عبر مصدر واحد (موقع الكتروني)، يصور بوضوح تقدم وترابط ما يتلقاه الطلاب خلال تقدمهم بالمراحل التعليمية، ويتيح مرجعا غنيا لأطراف العملية التعليمية والرأي العام للاستفادة ولتيسير المشاركة في التطوير.
ونأمل التخطيط المستقبلي لجعل ذلك المرجع الالكتروني بديلا فاعلا للمناهج التقليدية المطبوعة التي يعاب عليها أنها بطيئة للاستجابة للتغيرات، مكلفة، ثقيلة، مقيدة، مملة، عديمة الفاعلية أمام احتياجات أجيال التكنولوجيا (انعدام وسائط الميديا وأدوات البحث).
نأمل أيضا أن يسد المنهج الوطني الفجوة الثقافية بين المواطن وبيئته المعاصرة التي لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية نتيجة لتطور وسائل الاتصالات والمواصلات، فيتجنب الصدام السلبي معها.
فعلى الأغلب، تركز المناهج الحالية على إثراء الطلاب بما تتطلبه البيئة المحلية ولكنها لا تسد حاجتهم إلى توسيع المدارك وفهم متغيرات العالم المحيط بهم (أمثلة لمواد: التاريخ الحديث، وبيئات الأعمال والعمل، والقيادة).
almarahbi.
h@makkahnp.
com