(زيد، وعمرو) شقيقان سعوديان تعلما وتخرجا في مستوى تعليمي متقارب وتزوجا، (زيد) توظف بالمرتبة السابعة، وأصبح له دخل شهري معقول، أما (عمرو) فاتجه إلى الأعمال الحرة وأصبح مقاولا كبيرا، دخل (زيد) الشهري بالآلاف، وسكنه شقة، ويملك سيارة واحدة، أما (عمرو) فدخله الشهري بالملايين وسكنه قصر، ويملك خمس أو ست سيارات، وليس هذا فحسب، بل يتبعه مئات الوافدين من الأشقاء والأصدقاء يعملون في شركاته ومؤسساته، ومستواهم المعيشي قريب من مستوى معيشة (زيد)، وهم جميعا (عمرو وتابعوه) مثل (زيد) في استهلاك الخدمات، مع فارق أن (عمرو) وحده يستهلك أكثر بحكم حياة الرفاه التي يعيشها، غير أن أسعار الخدمات واحدة للجميع، وهي خدمات رخيصة جداً والدولة تدعمها كلها، وهذا الدعم يستفيد منه الجميع، فهل تتصور أن في هذا الأمر عدلا؟ خذ صورة أخرى، مع بقاء صورة (زيد، وعمرو) أعلاه كما هي
الصورة الأخرى تقول إن الدولة أوقفت الدعم عن الخدمات كافة، وأهمها (البنزين، والماء، والكهرباء)، واعتبرت أن زيدا وأمثاله ممن دخلهم الشهري خمسة عشر ألف ريال فأقل يستحقون المساعدة، وبالتالي ستمنحهم بطاقات تسمح لهم (حسب مستوى الدخل) بالحصول على هذه الخدمات مجانا، أو بأسعار رمزية، مع تحديد كميات معينه لاستهلاكهم حسب الحاجة التي لابد من تحديدها بدقة وموضوعية فإذا تجاوزوها تحملوا ما تجاوزوا به، بينما السيد (عمرو ومن يتبعه من العاملين في شركاته) يدفعون قيمة هذه الخدمات كاملة بسعرها الحقيقي، وليس المدعوم، هل ترى في هذه الصورة عدلا أفضل مما هو وارد في الصورة الأولى؟ في كل يوم تقريبا نقرأ أو نسمع عن تهريب البنزين والديزل وغيرهما من المحروقات إلى الدول المجاورة، نظرا لأنها شبه (بلاش) في السعودية، هذا غير تصدير المياه والألبان وغيرها من المنتجات التي تستهلك صناعتها محروقات ومياه وكهرباء وغيرها من الخدمات المدعومة من الدولة، وهي خدمات يتساوى في تحمل تكلفتها (زيد) المحدود الدخل، و(عمرو) وأمثاله من أصحاب الملايين والشركات وفوق ذلك عمالتهم وموظفوهم
الدعم السعودي للبنزين وحده أكثر من مئة وعشرين مليارا سنويا أو نحو ذلك، وربما مثل هذا المبلغ للكهرباء والماء عدا بعض السلع الغذائية وغيرها، فماذا لو تحول هذا الدعم الضخم إلى مستحقيه من المواطنين؟ أليس أجدى وأفضل من توجيهه -كما هو الحال الآن- إلى دعم خدمات يستفيد منها الغني والفقير والمواطن والمقيم على حد سواء؟ ثم أليس هذا أفضل لمستقبل الوطن والمواطن، وأجدى من كل حملات الدعوة إلى الترشيد؟ سبق أن طرحت هذا الأمر فقوبل باحتجاجات ورفض، وقد تفهمت ذلك وقدرته، لأن من احتج أو رفض لم يتأمل ويفكر جيدا في أمرين أولهما واقع من يستحق الدعم وأن هناك طريقة أفضل لمساعدته، وثانيهما مستقبل الوطن الذي إن استمر في الدعم بالصورة الحالية فإنه قد يصل إلى اليوم الذي يعجز فيه عن الدعم وحينها تكون الحلول المتاحة أيام السعة قد فات ميعادها
فكر قبل أن ترفض أو تحتج