الحياة كلها وبمن فيها وما عليها دائما في حركة لا تتوقف، فإما وعي يجعل الحركة باتجاه الحكمة والفعل الجميل، وإما ضياع يجعل الحركة في الاتجاه التائه والوهم والزيف والضجيج، وهكذا يضيع الإنسان ويضيع إبداعه في اضطراباته النفسية التي تهوي به إلى أدني مستويات الوجود، أو من خلال مجتمعه الذي لا يعي قيمة الإبداع وثمرة العطاء، أو من خلال الفراغ التشريعي والتنظيمي الذي يحمي أكبر مساحة ممكنة للحرية والازدهار الفكري. والسؤال لمن المصلحة عندما تضيع حكمة الإنسان، ويستهلك حياته بدل أن يستثمرها؟ ولماذا تضيع مخرجاته وتهدر طاقته؟ ولماذا يتبدد مستقبله في شتات الأمل؟ إننا في مرحلة من الحياة لا تسمح طبيعتها بصناعة الشماعات التي نعلق عليها أعذار الإخفاق في سلوك الإنسان، ومراغمته للوجود خارج روح العصر الذي هو فيه. ولا بد من الدخول الجاد والصريح في حالة البحث عن الحكمة في الإنسان والحياة، والعمل على إعادة إنتاج الثقافة والتعليم، بل والأنظمة والقوانين، بل وكل شيء ليتمكن إنسان اليوم من روح العصر ومتطلباته. وفي عالم يموج في الضجيج يصبح البحث الجاد عن الحكمة حتمية مصيرية في قراراتنا الكبرى، حتى لا نغرق في تفاصيل الحياة وتزهق أنفسنا أو تتشوه نفسياتنا.
إن تحولا كبيرا لا بد أن يحدث في مفاهيمنا حول الإنسان وحقه في الحرية والحياة. ومن أجل ذلك لا بد من تغيرات كبرى في خطاباتنا الدينية والثقافية والاجتماعية. ولا بد من إعادة لسياسة التعلم والتعليم ومفاهيم المعرفة وأخلاقياتها، ولن يكون ذلك فاعلا ومجديا ما لم نتخذ قرارنا في كل المستويات لإنهاء صراعاتنا النفسية، ونحسم معاركنا الكلامية لصالح الإنسان، ولصالح الوطن، ولصالح المستقبل الذي يتشكل من ذبذبات الواقع ومنجزاته.
نحن أمام مسؤولية البحث والفعل من أجل وجود الحكمة. ولنا الحق في ممارسة كل الأسباب التي تقضي على موانع الاستقرار النفسي والاجتماعي، كل من موقع مسؤوليته، بداية من أصحاب القرارات المركزية وبمشاركة كل الفاعلين في مستويات الوعي والتفكير والعمل والممارسة. وحتى نكون جادين في البحث عن الحكمة فلنبدأ من الاعتراف بالمساحة الشاسعة بين ما نريده وما نحن عليه، وبين إمكاناتنا ومخرجاتنا، وبين قيمنا ومقدراتنا وما نحن نمارسه ونتحدث عنه. فالباحثون عن الحكمة يجب أن يكونوا بقوة الحكمة التي عنها يبحثون. فالحكمة ليست هلامية غير مفهومة! وليست قطعة من التاريخ والتراث نحاول استرجاعها ومراغمة توظيفها. إن الحكمة هي الإنسان الذي يعي معنى الوجود. الإنسان الذي يعي توازنه في نفسيته وفكريّته وفي ممكناته ومقدراته.
إن العالم الذي حصل على الحكمة قد أنهى صراعاته المفاهيمية حول الفلسفة والدين، وأنهى صرعاته الطبقية المجتمعة، وجعل السيادة للعلم والمعرفة، وتشكلت قوانينه وفقا لذلك، وهكذا يتكون طريق الحضارة والرقي الإنساني الذي يسمح بالنمو والفاعلية المشتركة وصناعة الحياة الجديدة بوعي جديد، وإلا فلا معنى للكلمات والخطب، ولا معنى للإنفاق والدعم ما لم تنته أسباب الاضطراب ومعاول الهدم التي تهدد التنمية البشرية وتقضي على مشروعات الحياة الكبرى من الأمن والنسيج المجتمعي والمنجزات الحضارية.
وخلاصة القول إن الحكمة المطلوبة وبكل وضوح تتمثل في الإنسان وحقه في الحرية والحياة، وما يتطلبه ذلك من وعي سياسي ومعرفي وتشريعي قانوني، ويبقى الجواب معلقا على مخرجات الواقع ومنجزاته، وليس عبر ما يصلنا من بريد المدينة الفاضلة!! ونحن قادرون ـ بإذن الله ـ عندما تكون جاهزيتنا صادقة، وبوصلتنا في الاتجاه الصحيح. فالإمكانات التي تتوفر لدينا والإرادة القيادية لا توجد مثل ما هي الآن. ونحن أمام مسؤولية الاستثمار الأكثر والأفضل والأجمل، وألا نسمح بإهدار الفرص السانحة والعطاء المتدفق. وهو ما سنلمس أثره ونحصد زرعه في واقع يتألق ومستقبل يزدهر ـ بإذن الله وحوله وقوته ـ عليه توكلنا فنعم المولى ربنا ونعم النصير.