هذه ليست وصايا، ولا نصائح، فالأولى تتطلب الحكمة، والثانية تدّعي المعرفة، وأنا ما زلت - يا بُني - على شطآن الطيش، وكلما تقدمتُ بالعمر، أو تقدم هو بي شعرتُ أنني أزداد جهلاً، أكتبُ الآن لك في منتصف العام السادس والثلاثين بعد الأربعمئة وألف للهجرة الشريفة، وها أنا أتعمد كتابة التاريخ لأمر مهم وبسيط، فقد خشيت عندما تصلك هذه الورقة أن تربكك الحيرة في العصر الذي عشتُ أنا وجيلي فيه، فنحن ما زلنا تائهون في تخوم الماضي، فرغم التقدم الحضاري الذي أمتعنا وأدهشنا فيه العالم الأول إلا أننا وظفنا ذلك في العودة أكثر للماضي، حتى أصبحنا نكاد لا نعرف أنفسنا، وكثيراً ما ساورتنا الشكوك في ضمائر المرايا، وهذا لا يعني أننا نعيش في غياهب الجهل، بل نحن ننهل من ينابيع المعرفة، ونقرأ ونؤلف ونحقق، وما زالت تدهشنا كُتب ومؤلفات أسلافنا، هل تعلم – بُني – أننا ما زلنا نقرأ كُتب أسلافنا التي ألفوها قبل مئات السنين، ونعجب من تقدمهم، ونستشهد بمقولاتهم لدرجة أنك عندما تقرأ ما نكتب قد تظن أننا من المجايلين لهم، فنحن مبهورون من الماضي، ومفتونون بتقدم من مضوا!، ولهذا نحن جادون باللحاق بهم، حتى وصلنا بنا الأمر للتنازع على قبورهم!بُني أنا سأُغادر ولن أترك لك مالاً أو علماً، تركت لك الخيار محبة بك، فقرر ماذا تريد أن تكون.
.
رجل أعمال، أو رجل علم، أو رجلا مجردا، واعلم يا بني أنه من الطمع الممقوت أن تحاول أن تجمع بينها جميعا، لن أقول لك لا تسلّم عقلك لأحد، لأنني على يقين أن لا أحد يمكنه أن يتخلى عن عقله، رغم أن النخب في زمننا هذا يرددون مقولات مشابهة لهذه، وعلى كل حال هي مقولات متعالية جداً، المهم بالنسبة لي أن تحرر ذائقتك، أما العقل فهو حُر بطبيعته، لا يوجد عقل حُر وآخر مستبعد، يوجد عقل أو تبعية مُطلقة هي بالضرورة (لا عقل)، صدقني سأكون في غاية البهجة والفرح عندما تقول إنك لا تحب شعر المتنبي، وكل ما فعله أبوالطيب أنه عرف وعزف على وتر (الإباء) في النفس العربية، استفز عاطفة النُبل والفروسية في الوجدان العربي كما يفعل الزعماء القوميون، طبعاً ستوصف بالشاذ، وأنك تتكلم من باب (خالف تُعرف)، لا تهتم فكل المعارف تبدأ شاذة غريبة مُحاربة، المهم أن تكون ذائقتك بكامل قناعتها وحريتها، سأبتسم وأنت تلتفت للجمع المتمايل طرباً على أنغام كوكب الشرق (الذي أفل)، لتسألهم أي طرب يولده هذا الصوت الأجشّ الذي يقرع طبلة الأذن بجلافة حدّادٍ نزق.
.
وفي الصفحة المئة من سفري هذا ستقرأ تفاصيل أوسع.
.
أما أنا الآن فسأعود لأقرأ مقدمة ابن خلدون!
fheed.
a@makkahnp.
com
من رسائل وجدت في مستودع مهجور (1)
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
