نتيجة لأعمال حركات العنف الإرهابية، وخطابها المتطرف المعادي لكل قيمة إنسانية أصبح الإسلام في قفص الاتهام لدى الغالبية العظمى من أمم العالم؛ إذ ارتبط العنف في المخيال الشعبي لتلك الأمم بالإسلام، وتسربت هذه النظرة إلى فئام من الشباب المسلمين، والمتابع لما يطرح في الانترنت يجد ثلة منهم بدأت تطرح تساؤلات عن مسؤولية الإسلام عن هذا العنف، خاصة في ظل تكثيف خطاب حركات العنف الاستدلال بالنصوص الشرعية، واستيراد مقولات لبعض علماء الإسلام في الماضي، ويقابل ذلك عجز مخيف في الخطاب الديني الرسمي في البلدان العربية؛ إذ لم يستطع مساجلة خطاب العنف من خلال تفكيك مقولاته، وتقويض الأصول التي يعتمد عليها، وطرحِ خطاب بديل له يشرع للتسامح الديني من خلال استنطاق النصوص الدينية، وكل ما فعله الخطاب الديني الرسمي تجاه خطاب العنف القيام بحملة هجاء، أو تكفير المنضوين لجماعات العنف، وهو بهذا وقع في فخ منهج التكفير، وبتعبير آخر أهم بترسيخ خطاب التكفير من حيث أراد محاربته.
ولعل من أهم الاستراتيجيات التي نجح خطاب التطرف للترويج لها على أنها من الإسلام القطعـية المطلقة في الحكم على الآراء والأشخاص والوقائع في المجالين الديني والسياسي، وإلغاء أي مساحة للظنية في مجال الاستدلال الديني، وأي مساحة للتعامل المصلحي في المجال السياسي، فأصبح المجال السياسي في الإسلام في ذلك الخطاب محكوما بقطيعات دينية؛ فكل من لم يوافقهم أو حاربهم فهو مرتد حلال الدم، ولا مجال لأي تعامل مصلحي سياسي مع أي فئة مخالفة أو دولة من الدول فكل ذلك ردة وخيانة، نحن أمام إسلام – وفق خطاب التطرف – مرعب لا يقبل الخلاف أو الحوار، أو القبول بأي مشترك إنساني، وهذه القطعـية التي نجح خطاب العنف بالترويج لها هي مما يجذب فئة الشباب لذلك الخطاب؛ إذ إن عقلية الشاب غالبا تنحو منحى الحزم والوضوح والقطع في تعاملها مع الآراء والأشخاص والوقائع، وتجد بغيتها في هذا الخطاب المتطرف، ولهذا من أهم ما يجب على المعنين بالخطاب الديني هو تفكيك هذا المنهج (منهج القطعـية)، وقد كان لعلماء أصول الفقه جهد في التنظير للقطعـية والظنية في دلالة النصوص الشرعية، وشروط تحقق القطعية، وقد حكموا على غالبية نصوص الشريعة الصحيحة الثبوت بأنها ظنية الدلالة، وهذا ما أفسح المجال للتسامح مع الخلاف الديني، وقعدوا في مجال الخلاف لـ(حق الخطأ) انطلاقا من الحديث الشريف: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فاخطأ فله أجر واحد”، أي إن المجتهد في مسألة فقهية أو عقدية مما كان دليلها ظنيا – والغالب على النصوص الظنية – إذا أخطأ فهو مأجور، والمجتهد هنا يشمل أنواع المجتهدين، فالاجتهاد الديني يتجزأ؛ فثمة مجتهد مطلق في كل الدين، ومجتهد في المذهب، ومجتهد في باب من أبواب العلم كباب الصلاة، ومجتهد في مسألة واحدة فقط من مسائل الباب، وهذا مؤداه أن غالبية من درس العلم الديني فهو قد بلغ مرحلة الاجتهاد في مسألة أو باب من العلم على الأقل، وهذا ما يجعل التعامل مع النص الديني يتسم بالمرونة؛ إذ إن مساحة الظن هي الغالبة على أحكام الشريعة، بل ذهب بعض الأصوليين إلى أنه ليس لله حكم ثابت فيما دليله ظني، فحكم الله هو ما توصل إليه المجتهد، وهو ما اصطلح عليه بمذهب (المصوبة)، وقد اختار هذا المذهب أبوحامد الغزالي أحد الأصوليين الكبار؛ قال في كتابه (المستصفى): “والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه أن‏ كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى”، ورد على من قال إن الدليل الظني يفيد بأن الصواب واحد؛ قال: “فإن قيل عليه دليل ظني بالاتفاق فمن أخطأ الدليل الظني فقد أخطأ‏؟‏ قلنا‏:‏ الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها، بل يختلف ذلك بالإضافات، فرب دليل يفيد الظن لزيد وهو بعينه لا يفيد الظن لعمرو مع إحاطته به، وربما يفيد الظن لشخص واحد في حال دون حال، بل قد يقوم في حق شخص واحد في حال واحدة في مسألة واحدة دليلان متعارضان كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظن،
ولا يُتصور في الأدلة القطعية تعارض...، فإذن لا دليل في الظنيات على التحقيق، وما يسمى دليلا فهو على سبيل التجوز بالإضافة إلى ما مالت نفسه إليه، فإذن أصل الخطأ في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة الظنية وزنا حتى ظنوا أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة، وهو خطأ محض يدل على بطلانه البراهين القاطعة”.

[email protected]