هل تراجع أسعار النفط شر محض؟ وكيف يمكن تحويل تراجع أسعار النفط إلى ميزة تنافسية؟ أكثر الأسئلة حضورا في المخيلة الاقتصادية في ظل تراجع أسعار النفط، والمؤشرات السلبية التي تحيط بمستقبل الأسعار، تدعمها عوامل عدة منها وفرة المعروض في الأسواق العالمية، وعدم تدخل منظمة أوبك لخفض إنتاجها وإنقاذ السوق من الفائض المتراكم، وزيادة إنتاج النفط الصخري، وعدم تأثره بالانخفاض الحالي للأسعار، إضافة إلى عدم ثقة منظمة أوبك بالتزام المنتجين من خارجها بالاتفاقات التي تعقدها معهم حول تخفيض الإنتاج، والضبابية التي تحيط بمستقبل نمو الاقتصاد العالمي.
وفي الأيام الأخيرة، دخل عامل آخر يتعلق بالاتفاق المحتمل بشأن البرنامج النووي الإيراني، وما ينشأ عنه من تخفيف للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، وزيادة إنتاجها لاسترداد حصتها السوقية، ويعني ذلك إضافة نحو مليون برميل إلى الفائض الحالي والمقدر بنحو 1,5 مليون برميل يوميا، مما قد يعيق توقعات أوبك بتحسن الأسعار في النصف الثاني من العام الجاري، وبالتالي تصبح عودة الأسعار إلى مستويات 100 دولار للبرميل مستحيلة، وهو ما يتفق عليه جل المختصين في الصناعة النفطية، ومن بينهم مندوب المملكة في أوبك محمد الماضي الذي أكد في مؤتمر الطاقة الذي عقد في الرياض الأحد الماضي، أن عودة أسعار النفط مجددا لنطاق 100 إلى 120 دولارا أمر صعب.
كما أن توقعات أوبك حول تراجع الفائض الذي كانت تقدره بنحو 1,5 مليون برميل يوميا، وانخفاض تراجع الإنتاج الأمريكي في أواخر 2015، قد لا تكون صحيحة بعد أن أظهر منتجو النفط الأمريكيون أن لديهم مرونة عالية في التكيف مع تحديات الأسعار الحالية، ولذلك خالف المعروض الأمريكي هذه التوقعات، بل أنه قد يزيد عطفا على الظروف المحيطة والعوامل الجيوسياسية التي تنشأ في المستقبل، كما أن القراءات التي كانت تشير إلى أن سعر 70 دولارا للبرميل قد يضر بمنتجي النفط الصخري لم تثبت صحتها حتى الآن، بل قادت إلى تغيير هذه الافتراضات إلى نحو 40 دولارا ولمدى لا يقل عن ثلاث سنوات.
وعلى الجانب الآخر، تتحدث تقارير اقتصادية شتى عن مستقبل أكثر سوءا حول قابلية استمرار انخفاض الأسعار بوتيرة متسارعة خلال الأشهر القادمة لتصل إلى نحو 20 دولارا، وهو أمر غير مستبعد في ظل الظروف الجيوسياسية والاقتصادية التي يمر بها العالم، وما مرت بها الأسعار من انخفاض من سقف 114 دولارا للبرميل إلى أدنى من 50 دولارا، خسرت خلاله نحو 50 % من قيمتها لن يكون ضرره محدودا إذا استمر هذا التراجع لأمد طويل، فالاحتياطيات النقدية الكبيرة قد تحمي اقتصادنا من التراجعات الحالية، لكنها لن تكون كافية على المدى الطويل.
كل ما سبق يشير إلى أن السوق النفطية ستمر بتقلبات موجعة لاقتصاديات الدول التي تعتمد عائداتها على تجارة النفط الخام بشكل كبير، والمملكة إحدى هذه الدول التي لا يزال النفط الشريان الرئيس المغذي لميزانيتها بنحو 90 % من مواردها.
صحيح أن المملكة ستفقد جزءا كبيرا من مواردها المالية، وستتأثر ميزانيتها في الأعوام المقبلة، لكن في النصف الآخر من الكأس، تبرز هذه التساؤلات حول قدرة المملكة على تجاوز ذلك، كيف يجب أن ننظر لتراجع أسعار النفط؟ هل هو شر محض؟ وهل بالإمكان تحويل تراجع أسعار النفط الخام إلى ميزة تنافسية لاقتصاد المملكة؟.
الإجابة المنطقية تقول إن تراجع أسعار النفط لن يكون شرا محضا، بل قد يكون محفزا لإحداث تغييرات جذرية في السياسات الاقتصادية، وإعادة دراسة الميزات النسبية للمملكة، والعمل على استغلالها بعيدا عن الاستثمارات التقليدية بعد أن توقف الاهتمام بها منذ عادت أسعار النفط للارتفاع في 2001، خصوصا أن المملكة تتميز بوجود فائض ضخم في ميزان الموارد الخاص بها (والذي يقيس الفرق الحسابي بين قيمتي الادخار الإجمالي والاستثمار الإجمالي)، وهو ما يعني وجود فوائض مالية ضخمة يمكن تعبئتها والاستفادة منها في تمويل استثمارات منتجة ومجزية تعزز الطاقات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، والمزايا النسبية التي يمكن استغلالها كثيرة ومتعددة منها: الميزة النسبية للبترول والغاز لجذب استثمارات مكملة وذات قيمة مضافة في قطاع التكرير والصناعات التحويلية والخدمات، وميزة الموقع الجغرافي المتميز في قلب الشرق الأوسط بالتركيز على قطاع النقل والخدمات اللوجستية، فهذه الميزة الجغرافية جعلتها نقطة اتصال بين القارات الثلاث مما يسهل الوصول والتنقل لأكثر من 250 مليون مستهلك في فترة زمنية لا تتجاوز ثلاث ساعات، والتركيز على الصناعات القائمة على المعرفة مثل الرعاية الصحية وعلوم الحياة والتعليم وتقنية المعلومات فإن هذه الصناعات محفزات ضرورية لتنمية مستدامة.
[email protected]
هل تراجع أسعار النفط شر محض؟
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
