مع كل وزير جديد للتعليم، يتدفق مزيد من الكلام؛ إحباطات وأحلام وتطلعات، ومراجعات ورؤى وأفكار؛ تُطرح على مساحات واسعة من منابر الرأي الإعلامية، تذكِّر الوزير الجديد بما سبق طرحه على من قبله، وتعلِّق عليه آمالا بحجم الوطن، وبحجم رؤى وتصورات الكاتبين والمتحدثين؛ لما يرونه حقيقا بانتشال التعليم من واقعه الأليم، ومقرراته (مناهجه) التي لا نعلم أي إنسان تريد تكوينه في أبنائنا وبناتنا؟ وأي عقل تروم بناءه؟. أما ملكات التفكير والبحث والمفاضلة والاختيار الحر؛ فهي بمنأى عن خيال أولئك الفضلاء الذين قدِّر لهم اختيار وصياغة تلك المقررات وتفصيلها بمقياس ومقدار؛ تنحني له قامات أبنائنا اللدنة، وتنوء بـ(أحماله الثقال) كل صباح يتجدد في حياتهم، فيغدون إلى مدارسهم كارهين، ويعودون منها بـ(أخرى)؛ مفصولة العلاقة بالواقع والحياة والمستقبل.
أقول: يتناثر ذلك المد من الكلام والأمنيات، على مسافة مشرعة لكل الرؤى، التي راعها الزمن المسروق من عمر أبنائنا، وسني تكوينهم الخصبة، التي لا يُستزرع فيها غير مهارة الحفظ والتلقين، وأعباء كثير من المتناقضات وزوائد المعلومات التفصيلية عن أشياء.. راعهم كذلك أنها خارج الزمن.
واختزال رسالة التعليم بمزيد من حملة الشهادات، والخارجين من مرحلة إلى مرحلة، لا يفضي أي منها؛ إلا إلى ذكريات مريرة، تتخللها مذاقات عذبة، لأيام عُطِّلت فيها الدراسة بسبب غبار ومطر ونحوهما.
...أفلا يليق بناثري الكلام؛ بث سؤالاتهم المريرة عن واقع التعليم ومقرراته وقضاياه. وهم يكابدون هذه المشاهد، التي تقاسمهم هواء بيوتهم، ولا تهدأ تدور في مخيلاتهم؛ منبئة بمستقبل لا يسرهم لفلذات أكبادهم، والاستثمار الأنقى والأعظم في حياتهم.
لم يقنعهم؛ كلام آخر عن مستقبل يراد للتعليم، ومليارات ترصد له، وخطب وخطط تطير بها الصحف، لما يمكن أن ننافس فيه العالم، ونصنع فيه مستقبلا لوطننا، الذي لن يبنيه غير عقل وإرادة الإنسان.
فإذا ما دلفنا لعام دراسي جديد، وجدنا في مقررات تعليمنا، ما وجدنا عليه آباءنا، من (أحمال ثقال)، لا تشي بمستقبل، ولا تبشر بجديد؛ يمكن أن نحمِّله تطلعاتنا الجسام وغير الجسام.
مقررات ليس فقط لا تراعي واقعا، ولا تسلِّم بضرورات، وتغيرات، واحتياجات، وتحديات، وملكَات، ومهارات، بل تطمس فاعلية العقل الغريزي، والملكة الفطرية التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان.
ولا تراعي تنوعا اجتماعيا وثقافيا؛ كان من هبات الله لهذا الوطن. مقررات كأنما هي وقف على أشخاص بأعينهم، وجهات بعينها، وعقول بذاتها.. تختار وترسم وتحدد البنية الأولى المؤسِّسة في عقل ووجدان خمسة ملايين طالب.
وإذا بكل تلك المقررات لا تلوي على غير تخريج مزيد من حملة الشهادات بمختلف مستوياتها، وإذا بنا إزاء مخرجات هزيلة للتعليم بمراحله كافة، يجمعها استدبار العقل وقيم الإنتاج والإبداع والتفكير، وازدراء العمل المهني والفني، ويتلاشى فيها الوعي بذاتها، ويضمر بداخلها الشعور بوطنيتها ومواطنتها، ولأسباب خارجة عن التعليم هيكليا وموضوعيا؛ يوحِّد تلك المخرجات هم الحصول على وظيفة.
تلك المقررات ناتج محض لفلسفة ما.. يؤمن بها واضعوها، وتلك الفلسفة تريد صب مفاهيم ما دينية واجتماعية ومعرفية في عقول أبنائنا. تريد حصرهم في أفقها، وتريد حشرهم في دائرة تصوراتها للإنسان والواقع والعالم والحياة، تريدهم مكررات لها، وتريد عزلهم عن فضاء مغاير لتركيبتها وكيميائها، تتصاعد ذراته خلف نافذة قريبة تطل من الفصل على الشارع.
ولأجل ذلك كله، وغيره، ومثله معه.. مافتئ المخلصون والصادقون من أكاديميين وكتَّاب رأي، وباحثين متخصصين، ومثقفين، يصلون كلمات بأخرى، وأطروحات برؤى، وصراخ بشكاوى وتطلعات؛ كلها يئن تحت وطأة هذا الذي تراكم الأزمنة مطلع كل عام دراسي جديد، من انفصاله عن مستقبل يريدونه لوطنهم، وعقل يتمنونه لأبنائهم، وإيمان بالوطن والإنسان والتفكير والإبداع، والعدل، يأملون أن ينطوي عليه وجدان فئة ولو قليلة، من الخمسة ملايين.
يريدون من وزير التعليم الجديد، خارطة لمستقبل التعليم في بلادنا، ماذا يمكن أن يصل إليه أبناؤنا بعد كل مرحلة تعليمية؟
ما هي فلسفة التعليم لدينا في القرن الواحد والعشرين؟ وما مفرداتها؟ وما هي سياقاتها؟ وما هو جوهرها؟.. وما الغاية التي تستهدفها؟.. انتهت المساحة وفي داخلي أسئلة..!
[email protected]
واتعليماه
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
