كان فريق مبادرة معاد قد استعان بفني مختص برفع الإحداثيات مزود بجهاز GPS ليدل الجميع على عين الموقع الذي رصده أبوسليمان ورفع إحداثياته في العام 2001.
سار الركب في ثلاث سيارات، متتبعا خط السير الموضح على جهاز GPS بيد الفني المختص الذي سبق الجميع.
خلال دقائق قليلة توقفت المركبات بعد أن خاضت طريقها غربا عبر طرق وعرة حتى انتهت في وسط تلة ناهدة قليلا، تحفها رمال وأحجار ساقتها سيول منقولة إلى قلب الوادي الفسيح.
كانت إلى البعد شجرة سَلم حدباء تقف وحيدة في هذا اليباب الممتد إلى ما لا نهاية.
التف الجميع حول الدهاس وتلميذه الباحث، وسرعان ما أكد الرجلان أننا نقف داخل حدود حرم مكة.
وأن الثابت قطعا أن مناخ النبي صلى الله عليه وسلم كان خارجه.
مشيران إلى أنه لا بئر في المكان، وليس هناك ما يشي بأن الموقع كان طريقا قديما للحجاج إلى مكة.
الباحث اللحياني أفاد بقوله: من المستبعد أن يكون مناخ النبي هنا، لأنه بعيد تماما عن الخط الرئيس الذي سار فيه ثم إنه لا توجد أي آثار تثبت صحة الموقع.
هنا صحراء قاحلة، وهي داخل نطاق حدود حرم مكة.
والثابت أن مناخ النبي كان خارج حدود الحرم وأنه كان صلى الله عليه وسلم قريبا منه بمسافة تمكنه من أداء فروض الصلاة داخل حدود حرم مكة، والعودة إلى مناخه في الحلّ بعد فراغه من فروض الصلوات الخمس.
التقط أنس الصيرفي طرف الحديث مشيرا إلى أن اسم هذه المنطقة (بلاد المقرح).
وهي داخلة في حدود الحرم، لأن حدها الغربي هو جبل أظلم ـ وأشار إليه ـ ويحدها شرقا جبلا الدوم الحمراء، والحد الجنوبي لبلاد المقرح هو درب (الموشح) وتمام الحدّ جبال الموشح.
وأما تمام الحد الشمالي هو درب (دلّدَلّ) وهو طريق قديم بين جدة ومكة.
وتمام الحدّ قهوة (البُزم) وكانت معروفة في الشميسي إلى وقت قريب.
ووافق الصيرفي على أنه لا يمكن أن يكون هذا الموقع هو المقصود بشكل مطلق.
كانت وجوه الجميع واجمة، وقد أسقط بيدها بعد أن ثبت لها أن موقع إحداثيات كتاب (أمكنة مكة المكرمة المتواترة) غير دقيقة، ولسبب مجهول صادف تسجيل الإحداثيات من أبوسليمان وفريق جولته الاستكشافية الذي يحسب لهم جهدهم وحرصهم ووقوفهم الميداني في الحديبية، لتثبيت وتوثيق ما استقر عليه رأيهم العلمي والشرعي الذي يدينون الله به.
كان صفير الرياح يشبه حالة الإحباط التي أحاطت وخيمت على قلوب الحاضرين، وأخذ الجميع يضرب كفا بكف حسرة على عدم دقة المعلومة.
لا بد أن هناك خطأ جسيما قد وقع.
فلا يمكن أن يقع خطأ كهذا من فريق علمي (يضم أعلم أهل الأرض حينئذ) عن المواقع والأمكنة النبوية في مكة المكرمة.
وطفق الجميع يطرحون في حيرة أسئلتهم المفتوحة بلا جواب؛ هل أخطأ الفني الذي رفع وكتب أرقام تلك الإحداثيات وزود أبوسليمان بها؟.
أم وقع الخطأ أثناء طباعة الكتاب، أو ربما عدم تدقيق لأرقام لإحداثيات عند المراجعة؟!.
كانت كل الاحتمالات واردة.
لكن الثابت يقينا الآن أنها أرقام إحداثيات غير دقيقة.