احتياج الإنسان في المناطق الصحراوية لمورد الماء والينابيع تدفعه إلى ابتكار طرق مجدية لاستخراجها وتطوير أنظمتها، وظل إنسان الجزيرة العربية يجهل التقنية الإروائية، باستثناء جنوب الجزيرة العربية، ولهذا استورد الإنسان ثقافة النظم المائية من أمم مجاورة سبقته في تكوين حضارتها، وتمكنت من اكتشاف طرق جديدة لاستنباط المياه من باطن الأرض وتوزيعها على سطح الأرض بشكل هندسي مفيد عجز التالين عن فهمه فنسبوا إتقانه لجن سليمان عليه السلام.
عين شمس
يعد ما نفذته زبيدة زوجة الرشيد في نهاية القرن الثاني 193 هـ تحولا كبيرا في صناعة تقنية المياه في الحجاز، فكان مشروعها الإروائي العظيم «عين زبيدة» مصدرا لتنفيذ الفكرة في عدد من المناطق المجاورة، وكان وادي فاطمة ووادي نعمان ووادي حنين أول من استغل هذه التقنية.
ومن المستفيدين قرية عين شمس ضمن المراكز الحضرية المستقرة بوادي فاطمة، وتمكن أهلها منذ منتصف مطلع العصر العباسي من تثبيت مشروع إروائي مناسب لمسيرة حياتهم الزراعية.
ويعتمد ذلك النظام بشكل مباشر على تسريب المياه من الأراضي المرتفعة ذات المياه الوفيرة، إلى الأراضي الزراعية المنخفضة، وهذا معمول به في سلطنة عمان إلى اليوم.
ومن المؤكد بأنها لم تكن قائمة قبل العصر العباسي فلم نجد أي دليل تاريخي أو أثري يشير لما قبل ذلك، كما أن وجود كسر من الفخار العباسي المزجج المتناثر حول مصاب هذه النظم الإروائية يثبت بالدليل القاطع تاريخ بدء هذه النظم، ولا توجد آثار أخرى تشير لما قبل ذلك سوى بعض الأكوام الصخرية البعيدة عن هذه المستوطنات لا نستطيع الربط ما بينها وبين هذه الفخاريات والغالب أن النشاط كان رعويا إلى حد كبير جدا في عين شمس، ولم تكن الثقافة المائية الإروائية مرتكزا مهما إلا في حالات محدودة جدا ضمن مناشط الإرواء الديمي غير المستقر.
صناعة الجن
«تقع عين شمس شمال مكة بنحو 30 كلم، أما القديمة فيتركز نشاطها بسفح حرة العجيفاء شمال القرية وبجوار جبل الحميراء على هيئة شريط محني، وبجوارهما نشأت هذه النظم وفق ما تم مشاهدته من أنظمة تقليدية، وقد أدهشت هذه النظم الإنسان في عصوره المختلفة فلم يتمكن من فك تقنيتها وسبر محتواها ولهذا نسبها لصناعة جن سليمان عليه السلام، والغريب أن الإنسان فهم هذه التقنية وضبط صيانتها بالفطرة ومن خلال الخبرات المتواصلة ولكنه لم يفهم كيفية ظهور الماء بهذه الطريقة العجيبة، مما أجبره على وضع تفسير تاريخي أسطوري بعيد عن الصحة».
الأنظمة الإروائية:
1 - عين شمس القديمة:
• في شعب أبو قروش بحرة العجيفاء، ذكرها الشريف البركاتي في الرحلة اليمانية في 1329هـ ولكنه لم يفصل فيها.
• كانت عبارة عن شلالات عمقية تنشط في الفترات الممطرة، ويتم استغلال هذه المياه في شكل إروائي يعتمد على القنوات المكشوفة مع تحوير لها على شكل خلجان وهو من أوليات النظام الإروائي.
• انبثقت بشكل قوي في حدود 1350هـ وفق رواية شفاهية تلقيتها ممن سمع بها وتم ردمها لأسباب تتعلق بالملكيات الخاصة ثم اندثرت.
• قربه من السفح يجعل البحث فيه أمرا مهما للغاية كونه النظام الوحيد الذي ينطلق من عمق الصخور البازلتية.
2 - عين البرقة:
• تمثل النظام الإروائي القديم بكل تفاصيله الفنية، ويتمثل في مجموعة من الأجزاء نفذت بشكل مقنن ويقدم نموذجا في كيفية تنفيذ هذه التقنية ويمكن تناولها على النحو التالي:
• الأمية: وتمثل البئر الرئيسة ويتم اختيارها وتكون مضمونة الماء وغزيرة ولا تكون إلا في الجهة الشمالية الشرقية تبعا لانحدار الماء فبعد التحديد يتم حفر البئر بعمق 10 م، بحيث توازي نقطة التسريب النهائي تقريبا «البركة».
• الدبل: ويشق من مركز البئر العمقي باتجاه الجنوب الغربي، ويشبه الأنفاق تقريبا ويأخذ في الانحدار تدريجيا ووفق مقاسات هندسية دقيقة، وفيه يعمد البناؤون لتسقيف جدرانها ورصف أرضيتها لتسهيل مرور المياه ويتم الاعتماد على الآجر المشوي، وتثبيته بالجص ولكن بعض أجزائه غير مبني نظرا لصعوبة رصفه وليس بالضرورة الاستقامة فالمهم تنفيذ القناة ولو بشكل متعرج.
• بركة العين: وتمثل نهاية مصب الدبل وتبنى على شكل بركة مربعة، تقسمها مصاطب متدرجة بحيث تستقبل الماء المندفع وتمتص قوته لتسكينه وتهدئته وتحويله لبركة أصغر أو تصريفه من العمق الجانبي لري المزروعات.
3 - عين الزبينية:
تقع شرق جبل الحميرا وتنسب لرجل يدعى علي بن زبن أحد ملاكها، ولا تختلف عن قناة البرقة في تصميمها ولعل تاريخ تنفيذها وخضع لنفس الأسس الفنية، إلا أن البركة تعد نمطا جديدا في عملية توزيع المياه، وهي دائرية وتوسطها عمود اسطواني لحساب درجة المياه داخل البركة، والهدف منها خزن المياه وتوزيعها بشكل ملائم للبقع الزراعية المحيطة.
ونخلص في النهاية إلى أن النظم الإروائية بعين شمس تم تنفيذها بشكل ملائم للبيئة المكانية، وقد أمكن تحويرها بما يتلاءم مع القدرات الفنية للعاملين والإمكانات الاقتصادية المتوفرة.

