كم هو جميل وممتع وغني أن تمعن النظر في كيان شخص كبير كنت تعرفه منذ أيام طفولته، خصوصا لو كان «ملهيا» عنك، فصدقني إنك لو ركزت بحرص وبحثت بأحاسيسك لوجدت في جوفه ملامح ذلك الطفل الصغير الذي تعرفه، مهما عصفت عليه زوابع السنين وحملته بأصناف الهموم، ونقشت بإزميلها فوق ملامحه معالمها المكتسبة، ودفنته بين ثنايا جلد متهالك.
صدقوني ستجدونه، فالطفل يبقى هنالك محبوسا في الداخل، ينظر بعينه الولعة المندهشة، ويبتسم بشفتيه النديتين في خواطر ساعات الصفاء، ولن تستطيع أي ظروف مهما قست، أو تغييرات مهما تأنقت أو قشبت أن تخفيه إلى الأبد.
من صدقني منكم في ذلك فليتابع القراءة، ومن لم يصدق فليعد مرة أخرى لنقطة البدء، وليبحث ويتأمل بتأن، فما هو أكثر روعة من ذلك لو كان ذلك الطفل أنا بذاتي، فأنزوي في جلسة خلوية مع نفسي، وأنظر في عمق المرايا، وأزيح التكشيرة عن شفتي، وأمسح تجاعيد رسمتها أصابع الزمن بعمق فوق صفحة جبيني، وعلى حواشي أحداقي.
ما أجمل أن أبحث عن ذاتي القديمة المتطلعة البريئة، وما أطيب أن أستعيد بكر مشاعري، كيف كنت أستوحش مما قد لا أكترث له اليوم، وكيف كنت أجد الأعذار لمخاوفي، وهروبي.
كيف كنت أسعد ببراءة الأشياء، وهل ما زالت تلك المعاني تسعدني.
كيف ربيت مشاعري لتتسلق أعناق من كانوا حولي، وكيف قصقصتها وهذبت زوائدها، وعادت للنمو، وهل فقدت مزايا ذلك الشعور الطفولي للحكم على الأشياء، أم إني اضطررت لتبديله بطرق أكثر تعقيدا.
كيف كنت أحب فلا أنكر، وهل كانت مشاعري مكتملة، وهل هي الآن على حالها أم إن التجارب والشك واليباس والنفاق قد غزتها وجعلتها تصبح عندي من الكماليات والأثر.
كم هو جميل أن أحاور نفسي الطفلة، بألفاظها الطفولية الناقصة اللذيذة، وأن أخبرها عن التغيير، الذي وصلت إليه، وأشرح لها بوضوح وصدق عما لا يعجبني في ذاتي الآنية، ولن يكون محرما لو تمنيت أن أعود معها لدفء مهدي، فأشعر بحقيقتي، ونبضي وأفكاري القديمة، وأن ألعب مع محيطي لعبة التعلم، أندهش وأستغرب وأبكي إذا ما ضاقت علي الفكرة بحزنها، أو قسوتها، وأن أشعر بمناعة من الكآبة، وأن أرمي لأبعد من المدى بهموم الخوف من الأمراض، والألم، والموت، والحاجة، والذل والفواجع.
كم هو جميل أن أكون للحظات محمولا على سحابة السعادة، بلا واجبات تقصم الظهر، ولا حيرة تطبق الكون، ولا مجاملات تجعلني لا أعرفني.
هذه دعوة مجانية مني لكم جميعا، بأن تمتطوا ظهور براق أفكاركم، وأن ترتحلوا لوهلة في سفر للماضي، تقضون فيه وقتا من السعادة، وتعيدون تفقد خطواتكم، وتعرفون حقيقة مقتنياتكم، وتعودون بعدها مشرقين بالأمل، محملين بأغراض كثيرة، مبهجة ثمينة لذيذة، ليس أقلها قيمة ابتسامة من الرضا لذاتكم، ووقود نوراني لأيامكم القادمة.
shaher.
a@makkahnp.
com
الطفلفي داخلك
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
