تعتبر البيئة الهندسية في المملكة العربية السعودية من البيئات السهلة في عملية الدخول والخروج من السوق الهندسي، ولا تعبر الأنظمة المعمول بها حاليا عن الصورة الحقيقية لها، فمستوى التعقيد الذي تتوقعه في عملية الدخول لا يتجاوز تنظيمات إدارية وتكاليف مادية بسيطة قد تتلاشى أهميتها مع حصولك على تصاريحك النظامية، وقد لا تعود مرة أخرى لنفس التعقيدات الإدارية إلا حين انتهاء صلاحيتها، ولكن هنالك جانب آخر مهم ومهمل بالنسبة للبيئة الهندسية، وهو الإمكانات الفنية والهندسية، والتي تقاس حاليا بلا معايير، بل يؤخذ فيها بعدد سنوات الخبرة والشهادة كمعيار عام، إلا أنها كذلك لا تطبق بالشكل الصحيح
فالجوانب الهندسية والفنية -التي من المفترض أن تكون معيارا للتقييم- عديدة، ولكن على سبيل المثال لا الحصر الأعمال السابقة، فالنظام حاليا لا يسمح بمزاولة المهن للمكاتب الهندسية سوى من لديه خبرة مهنية مدتها أربع سنوات، ولذلك فالأجدى أن يبرهن على هذه الخبرة بالمشاريع والأعمال التي سبق العمل عليها كجزء من بناء السيرة الذاتية للمهندس نفسه، وكذلك لابد وأن يراعى أيضا في مسألة التقييم أولويات احتياج البيئة الهندسية من التخصصات الهندسية، ومراعاة أن يؤسس لنظام يستوعب كافة الاختلافات بين التخصصات الهندسية، ويتعامل معها كل على حدة، فالاحتياج حاليا قد لا يشمل كافة التخصصات الهندسية، ولذلك يجب على البيئة الهندسية أن تدعم وتشجع لتوسعة النشاط في تخصصات محددة، ويبادر لدعمها في سبيل التشجيع لها خاصة مع التخصصات ذات الندرة العالية أو التخصصات العالمية الجديدة والدقيقة، وذلك للحفاظ على مستوى عال من الجودة في البيئة الهندسية وتوعية للمجتمع الهندسي بالمفاهيم الهندسية الجديدة المؤثرة على العالم من حولنا
وعلى نفس الدرجة من الأهمية يكمن تعزيز الإشراف الإداري على العوامل المؤثرة على البيئة الهندسية، سواء المباشرة أو غير المباشرة، وضبطها، وكذلك الإشراف الفني على مخرجاتها كعينات عشوائية للدراسة والتقييم الفعلي، فلا يكفي اليوم وضع تصور واعتباره أمرا واقعا ما لم يحققه أمر ملموس كالدراسات والبحوث
وتغيب أيضا بعض المعايير التي أصبحت عالمية في تقييم الأفراد والمؤسسات، مثل استمرارية التعلم والتدريب والمشاركات الاجتماعية في برامج المسؤولية الاجتماعية والمسابقات المهنية وخلافها
إن تطوير البيئة الهندسية يُختصر في بعض الأوقات ببعض المطالبات المهنية من حقوق وحوافز، ولكنه كمنظومة لابد أن يكون كإجراءات وتعليمات أشمل وأوسع، حتى يكون أعمق تأثيرا على مستوى الوطن والمجتمع، فتطور المنظومة لا يكون بشكل وثبة واحدة ويتوقف كل شيء، فلابد وأن يرافق التطور مرونة في عمليات التحديث والتجديد حسب الدراسات والبحوث والتقييمات، وذلك لقياس التوجه العام للبيئة الهندسية والانحرافات ومدى التغير بها، وفي أي اتجاه لتستمر عملية التطوير والتحسين