بدعوة كريمة من القنصل العام التركي بجدة الأستاذ/ فكرت أوزر تشرفت بحضور الذكرى المئوية لحرب مدينة جانقلة وشهدائها، والذي أقامته القنصلية قبل أيام، وإن كانت معلوماتي عن معركة «شناقلة Çanakkale» تعد معلومات أولية، فإن ما شهدته من عرض لأحداثها أوقفني أمام معركة يحق للشعب التركي الاحتفال بها كل عام، فهي لم تكن معركة بين جيوش عسكرية، بقدر ما كانت معركة بين حياة أو موت، بقاء بشرف وكرامة، أو موت فداء للوطن وترابه، ومعركة شانقلة Çanakkale، أو كما تعرف بمعركة «جناق قلعة» والتي يسميها البريطانيون بمعركة «مضيق الدردنيل»، والتي تشكل واحدة من أشرس المعارك التي وقعت خلال الحرب العالمية الأولى وأكثرها دموية، إذ دحر فيها الجيش العثماني قوات الحلفاء عن الأراضي التركية عام 1915، وكبدها خسائر مادية وبشرية.
ويحرص الأتراك كل عام على الاحتفال بهذه المعركة التي حفظت لهم عاصمتهم وأبقتها بعيدة عن الحرب والخضوع للاستعمار، وقضت على أحلام الحلفاء بغزوها والسيطرة عليها ومن ثم الدخول إلى الجزء الشمالي الشرقي من تركيا لمساندة روسيا ضد القوات الألمانية، حيث طلبت روسيا من فرنسا وبريطانيا مساعدتها ضد القوات الألمانية في الجانب الشرقي بعد أن تكبدت القوات الروسية خسائر كبيرة أمام الألمان.
وقد استبسل يومها الجيش العثماني في معركته، واتحد القادة والجنود سواسية، وقاتلوا جنبا إلى جنب في خندق واحد بكل ما أوتوا من قوة، وجاء متطوعون من مختلف البلاد العربية والإسلامية فتألف حينها الجيش مع المتطوعين.
وجرت أهم المعارك في منطقة وعرة تدعى «أنافارتالار» شاء لها القدر أن تكون مسرحاً لألمع نصر عثماني في الحرب العالمية الأولى، حيث قرر الجنرال »إيان هاملتون» قائد قوات الحلفاء أن ينهي المعركة بهجوم كاسح في التاسع من أغسطس 1915 بعد أن تمكن من السيطرة على قمة «شونك بير» الاستراتيجية التي تسيطر على أرض المعركة، لكن القائد العثماني اتخذ قراراً جريئاً بالمبادرة بالهجوم على قوات الحلفاء المتمركزة على تلك القمة، وقاد في فجر اليوم نفسه معركة أسطورية حولت النصر المرتقب للحلفاء إلى هزيمة مذلة، ويصف المؤرخ «أرمسترونغ» اندفاع المشاة العثمانيين خلف قائدهم في كلمات معبرة:
«واندفعوا موجة بعد موجة وكأنهم الوحوش المزمجرة وبأيديهم الحراب مشرعة ثم هجموا على الفرقتين الإنجليزيتين فأبادوهما وواصلوا التقدم نحو السفح المواجه للبحر وعندها أطلق الأسطول الإنجليزي نيرانه عليهم فأحدث في جموعهم ثغرات كبيرة ….»
لكن النصر كان قد حدث. ففي ذلك اليوم اقتنع الحلفاء أن الانتصار في الدردنيل محال فانسحبوا تدريجياً حتى خلت شبه الجزيرة منهم بعد تلك المعركة بثلاثة أشهر.
ويصطف على ثراها الألوف من شواهد القبور التي تضم جثامين الجنود الذين استشهدوا في المعركة: شهداء أتراك وعرب جاؤوا من حلب ودمشق وبغداد والقدس وحماة والرقة والموصل وبيروت لمحاربة الغزاة القادمين من وراء البحار.