والفهامة: هي مخترع هزلي جادت به علينا الكوميديا المصرية، بوصفه جهازا يوضع على قمة الرأس ليساعدنا على فهم الأمور المستعصية على الإدراك، وقد يتدرج نوع الجهاز بين الآلة الالكترونية شديدة الدقة والتعقيد، وبين الحذاء القديم «أكرمكم الله»، تبعاً لدرجة تمنع الاستيعاب عند الشخص!
وحاجتنا للفهامةٍ تأتي مُلحة على أثر محاولاتنا الحثيثة لفهم ما حدث أثناء انتشار وباء حمى الربيع العربي، وكيف أن الفهم المجرد يظل عاجزاً، فكلما زاد انهاكه، زاد ارتداده إلينا بذلةٍ وحسرة
زين العابدين في تونس كانت مقاومته للحمى ضعيفةٍ فعطس، واستسلم بسرعة لبدايات القشعريرة، وغادر الكرسي وَاهِناً لمنتجع نقاهة قسري
وتبعه حسني مبارك، الذي «عصلج» بفعل «العربجية» لفترة ثم «رخرخ» وبعدها تمارض، حتى كدنا أن نتعاطف مع عينه الدامعة، التي لا تنفتح إلا حينما يشتَمّ رائحة سانحة للعودة
وأتى بعده القذافي، الذي كانت إصابته بالحمى خطيرة سببت له الهذيان، والخلط بين البشر والجرذان، وجعلته يُنهك مفاصل أعوانه بالرقص حتى حملته مجاري سيول الموت
وأتي بعدهم علي عبدالله صالح، الذي بلغت مقاومته درجات تعجب منها الأطباء، مستعيناً بالحلبة ومرقة الرأس، ومخ الكوارع المُبَهّرة!
فزاد تمنعاً على الاستسلام، وعلى الرغم من أنهم أحرقوه، إلا أنه خرج من السلطة، ولم يخرج!
ثم أبدع الحكيم بشار في البقاء مختبئاً من عدوى الحمى القاتلة، واستقدم مضادات الجراثيم الأجنبية، وقلب الطاولات على رؤوس القيم الإنسانية، ونبذ الملايين من شعبه، وقتل مئات الآلاف، وتشبث بكرسيه مدلدلاً ساقيه الطويلتين النحيلتين، واضعاً قدميه ببجاحة في وجه المجتمع الدولي!
ألم أقل لكم إن الأمر يحتاج لفهامات، فكأن مناعة الحكام العرب المعزولين تزداد تدريجياً بطول التعرض للأوبئة
فمناعة زين العابدين كانت ضعيفة لم تتمكن من المقاومة كمن أصيب بعده، وهلم جرا حتى أصبحت مناعة بشار جبارة مستعصية، فلا تضعف كرياته السوداء، ولا تتكسر صفائحه الدموية!
وتأتي (الأنظمة، الإسلامية) تتحدى بحلول لا إسلامية، وأعشاب ومساحيق وطقوس غريبة، وبخور تبتلي به أعين الشعوب «الغلبانة»، فتصيبها بالرمد الشديد، الذي يوصلها للإحباط
ولم تكن إلا سنة، واشتد طغيان الحمى، ولم تعتبر الأنظمة الإسلامية من تاريخ من مرضوا قبلهم، فظهرت عليهم علامات الجنون، وتسارعت الشعوب للنيل منهم، وإيداعهم للمحاجر، طالما أن عدواهم شرسة لا تخضع لقوانين العزل الطبية، ولا يؤمن جانبها
وقام عبدالفتاح السيسي بعمل جبار للمحافظة على وطنه وشعبه، وتعالت درجات مقاومته للبرد والعدوى حتى صار يستحم في مياه النيل في عز ليل الشتاء، ففرحت الشعوب بشمشون الجديد، والذي سرعان ما «اتخبط عين يا ولداه» والتقط العدوى، فترجل -باعتبار ما سيكون حسب كثير من المؤشرات- عن قمة الجيش، وترشح للرئاسة، فكأني بعين حسني مبارك الثانية ستنفتح من خلف نظارته السوداء العريضة، وهو يبتسم أخيراً!
وفي اليمن، عاد علي عبدالله صالح للمشهد بعد فترة إعادة التأهيل، وها هو اليوم يتمشى بعكازه بين أروقة السياسة اليمانية، وكأنه يُلمح بعودته بمناعة إعجازية اكتسبها بعظيم الصبر والمثابرة على الشر أسوة بالقدوة بشار
ولن يستمر زين العابدين في نقاهته كثيراً، فهو يخشى أن يقوم أي نظام وطني حر ينشأ بعده بمطالبته بتكاليف العلاج، والمقدم، والمتأخر، والخوف أن يرسل في طلب مضادات بشارية لالتهاب الضمير، أو مرقة يمانية لرُكَبِه الجائرة!
وفي ليبيا تستمر شدة الرعشة حتى بعد أن شبع المريض موتاً، فقد خرج من شيعته الأقربين من اكتسب المقاومة ضد العدوى، وأدخل البلد في فورة حمى شاملة، لا يظهر لها برء إلا باستنساخ القذافي!
وفي خضم كل تلك الأوبئة، يقوم السياسيون الإسلاميون بتجميع قفازات طبية، وكمامات، ومطهرات، والبَصقَ عليها، لمقاومة الحمى، والخوف كل الخوف أن تصدقهم شعوبهم، فيعاودون انتخابهم، وتمكينهم من مخطط تفتيت لم يكملوه
فلا تقولوا لي إنكم لم تفهموا شيئاً
حمانا الله وإياكم من زمان الاحتياج للفهامة بشتى أنواعها!