تتحرك الدورة الزمنية الراهنة وهي محملة بواقع إداري معاكس في كثير من الجوانب والاتجاهات لطبيعة وسياسة الإدارة والقيادة في المراحل الزمنية السابقة
هذا الواقع مفروض بتطور التقنية وثورة المعلومات وازدياد الطلب على الخدمات النوعية، كما يفسره أهل الرأي، أي أنه مصنوع في مطبخ التقنية والمعلومات وينمو بتدرج في إطار تقلباتها
ومن هنا فَرض بشكل أو بآخر على أهل الفكر القيادي والإداري في عديد من المجالات ضرورة إعادة ترتيب الأوراق لتكوين موقف مهني وترجمته على الأرض لمواكبة العصر ولو من خلال عمليات الإصلاح الإداري كبداية
المصطلح المعني بتعبيد الطريق لما يتفق عليه اليوم بمفهوم الإدارة المعاصرة كمسار تنظيري وتطبيقي للاتجاهات الإدارية الحديثة، ومن سياسات منطق هذا المفهوم، تقديم منزلة الجدارة وفك شفرة التقنية ووضع مخرجاتها في حسابات العمليات التطويرية مع فتح المنافذ للإبداع المهني والابتكار لتضيق الفرص على مهددات جودة العمل ورضا الناس
ومما لا شك فيه أن مخرجات الوظيفة العامة في عديد من الدول وبالذات الدول النامية لا تنافس بقوة مخرجات الوظيفة المماثلة في القطاع الخاص الموسوم في الغالب بسياسة دخول الساحة للمنافسة من أجل البقاء في السوق بجدارة
قد يكون ذلك عائدا إلى طبيعة حماية الوظيفة العامة وركود حراكها وقد يكون هناك تفسيرات أكثر عمقا –عند جهينة الخبر اليقين!
مما قرأت، بغير سند رسمي، حول أهمية التجديد في الفكر الإداري للتغلب على التعقيدات والتحول باتجاه ما يمكن الكسب به في مجال تجويد المنتج وتحقيق رضا الناس ما ذهبت إليه الحكومة الأمريكية في عهد الرئيس كلينتون ونائبه آل جور، حيث تبنت الحكومة فكريا مشروع حكومة تشبه القطاع الخاص (A government like business) وأصدرت توجيهاتها لجميع موظفي الحكومة للتنفيذ تحت شعار عظيم هو (عليكم وضع المستفيد أولا) – putting customers first
عموما، بحسب المتوفر من الدراسات حول هذا الموضوع يتجه الرأي إلى أن كلنتون وآل جور لبسا قبعة الواقع في ساحة المسؤولية لإطلاق الطاقات المهنية المبدعة في مجال الإدارة الحكومية من ناحية وفتحا الباب للعمل على تقليص مساحة الفاقد والسيطرة على مخلفات الروتين من خلال التحالف الفكري مع التجارب الناجحة خططا ومعطيات في القطاع الخاص، دون أي اعتبارات لما يمكن تسميته (خجل الحكومة من الأخذ بنجاح القطاع غير الحكومي)
هنا وعلى المستوى المحلي يمكن تأمل حال الفكر الإداري في المنظومة الإدارية الحكومية المعنية بإنتاج الخدمات مقارنة بالفكر الإداري المتحرك في شركة أرامكو
على أية حال، تعاني بعض الحكومات -والسعودية ليست استثناء- جملة من التحديات من أهمها اهتزاز مستوى الجودة في مخرجات بعض الجهات الخدمية وما يصاحبه من التذمر الشعبي، هذا إلى جنب انفتاح الفرص أمام «الأيدي الخفيفة» الفاسدة بشكل غير مسبوق جراء ضعف الرقابة وارتباك الضمير في بيئة الأعمال، علاوة على هجرة بعض العقول أو استسلامها للإحباط جراء عدم الحصول على الفرصة بحكم انتشار ثقافة (التطفيش) وسياسة (عدم تدوير المواقع القيادية)
في ظل ما تقدم لا توجد حجة تحول دون إعادة النظر في رأس المال الفكري (الموارد البشرية) ولا يجب القبول بحيلة تمنع كسر حاجز البقاء المطول في المراكز الوظيفية القيادية لاعتبارات تحتمل التأويل وبالذات في الجهات التي لا يهدأ جدال الشارع حولها، زمن التكليف بتزكية الشافع لم يعد من الخيارات المناسبة، سلامة العمليات التشغيلية تتطلب مهارة وانسجاما بين تأهيل وخبرة شاغل الوظيفة مع الوظيفة التي يؤديها
حان وقت عنصر الكفاءة والجدارة كمنافس حيوي لعنصر الأقدمية، العنصر الأكثر حضورا في مجال الترقيات الوظيفية
المدير بالواسطة أو التزكية العامة أسلوب إداري متخلف لا يحمي المنشأة من التعثر في طريق التقدم وعادة ما تتبناه المجتمعات الفاسدة التي تقدم المنافع الخاصة على ازدهار الوطن
التجارب تقول إن في جيب التقدم الإداري عوائد اقتصادية واجتماعية وسياسية تحقيقها مرتبط بوجود الإدارة التنفيذية المعتدلة الواعية
الخلاصة: إن الجدارة لغة العصر وأداة التطور، فكيف تكتشف وكيف يعمل بها وآخر عهد بعض الإدارات الحكومية بملفات موظفيها وسيرهم الذاتية يعود إلى يوم التعيين؟
بعض العقول الإدارية العليا متعثرة في فسادها الفكري ومنشغلة بالشؤون الخاصة، فكيف للمشاريع ألا تتعثر وكيف للفساد أن يزول؟
الحل في إعفاء هذه الفئة بناء على طلب الأرض والناس!
بناء على طلب الأرض والناس.. يعفى من منصبه
مانع اليامي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
