يعد التعميم في الحكم على سلوكيات أفراد المجتمع وتصرفاتهم وممارساتهم من أخطر ما تفرزه بعض الكتابات والحوارات هنا وهناك، عدا ما يكون نتيجة دراسات وأبحاث علمية موثقة وأصلية مبنية على فحص دقيق وتقص عميق

هذا الاستهلال مهم وأنا بصدد الإجابة عن سؤال طرحته في نهاية مقالي السابق حول الخلل الذي أصاب فئات من أفراد مجتمعنا، فنبذت القيم والأخلاق الإسلامية السامية وتخلت عنها، بل واتبعت نهجاً يخالفها ويضادها
لقد تفشت في فئات من مجتمعنا المسلم ظاهرات وسلوكيات وممارسات سلبية، ونمت فيهم قيم وعادات سيئة غريبة تتنافى مع ما تربى عليه المجتمع في سالف أيامه
إن القائمة تطول لو أريد حصر هذه الممارسات والسلوكيات والقيم والعادات الشاذة، إلا أنه يمكن القول إن من أبرزها الاتكالية والفوضوية وإضاعة الوقت والفساد وإتلاف المال والممتلكات العامة والخاصة، والتعدي على خصوصيات الغير، والإسراف في الاستهلاك بشتى أنواعه، والتفسخ والانحلال الخلقي، والتفكك الأسري، والأنانية والأثرة، والتفاخر والتنابز، والاستعلاء والسخرية والعصيان، والحسد والكراهية، والعنف الأسري والمجتمعي، وغياب الاحترام والصبر والإحسان والاعتذار والشكر والاعتراف بالخطأ والتسامح واللطف واللين والتعاون والشفقة والرحمة والأناة والتطوع وصلة الأرحام، ومنها الغش والخداع والكذب والغيبة والنميمة وعدم احترام النظام وانعدام الأمانة
إن التحولات والتغيرات الاجتماعية والثقافية والطفرة الاقتصادية والتطور السريع في تقنية الاتصالات والانبهار بالثقافة الغربية وتنوع الثقافات الوافدة، قد ألقت بظلها الثقيل على مجتمعنا المسلم، فتبدلت معايير القيم ومقاييس الأخلاق لدى الكثير من فئاته
وقد يقول قائل إن في هذا مبالغة وتشاؤما غير مبرر، ولكن نظرة فاحصة في سلوكيات وتعاملات وممارسات البعض من أفراد المجتمع، وقراءة سريعة لما تحمله صحفنا اليومية من أخبار وأنباء ولقطات محلية، لدليل صارخ وبرهان قاطع على كل ذلك
ولنأخذ بعض صور تلك الممارسات والسلوكيات والتعاملات في حياتنا اليومية لنعرف أن لا مبالغة ولا تشاؤم فيما ورد
فمثلاً في الجلسات العائلية والحفلات الخاصة جداً ترى الكبير هو الذي يقوم بمباشرة الخدمة والصغير متكئ على الأريكة لا يعبأ بما يدور حوله، وترى معظم الجالسين منهمكين في تشغيل ومطالعة أجهزة الاتصلات الحديثة، وقد تسمع الغيبة والنميمة، وتلمح الهمز واللمز بالإشارات وحركات الأعين، بل قد يكون بين أقرب الأقرباء منهم الشحناء والبغضاء والقطيعة، وربما تصل الحال إلى جلسات في المحاكم للنظر في دعاوى بعضهم ضد البعض الآخر على حطام الدنيا

أما ما يقدم من طعام وشراب فحدث ولا حرج عن مقدار الإسراف والتبذير، ناهيك عما يبدر من الصغار من تلاسن بأبشع العبارات وأقبح الألفاظ ولا رقيب ولا حسيب
أما إذا قدر لك ـ عزيزي القارئ ـ أن تكون قائداً لمركبة في أحد شوارعنا وطرقاتنا (الجيدة طبعاً!) فسترى العجب العجاب (هذا إذا وصلت إلى هدفك معافى وصحيحاً بدنياً ونفسياً!) من مستهتر بنظام المرور، إما بالسرعة والتهور أو قطع الإشارة الحمراء، أو التجاوز والالتفاف والوقوف غير النظامي، أو عدم استخدام الإشارات الضوئية، أو رمي المخلفات الشخصية والنفايات من المركبة في عرض الطريق، أو قيادة صغار السن، واستخدام الجوال، وقيادة مركبات مهترئة، والتفحيط والقيادة غير الآمنة والسير في الاتجاه المعاكس، ونقل الركاب غير الآمن، وغير ذلك من الممارسات المستهترة بالنظام الذي وضع من أجل سلامة الجميع
أما إذا كنت ـ عزيزي القارئ ـ من محبي مطالعة الصحف اليومية المحلية فيكفيك عدد يومي واحد منها لتكتشف ما يزخر به من أخبار القتل والانتحار والعنف الأسري وترويج المخدرات وتعاطيها والتزوير والخداع والكذب والغش والتدليس والسلب والنهب والسرقة والتزييف، وأخبار الطلاق والاغتصاب والتحرش، والحرائق المتعمدة، والأخطاء الطبية والفساد الإداري والمالي، وتشويه وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، وغير هذا كثير
أما الموظف الملتزم في إحدى الدوائر الحكومية أو الشركات الخاصة فسيلحظ بلا شك تعمد بعض زملائه المماطلة والتسويف وإضاعة وقت الدوام فيما لا يجدي من تصفح للصحف أو انشغال بالانترنت، إلى جانب إضاعة حقوق المراجعين والجفاء والتعامل معهم بعدم المبالاة، وكذلك عدم الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف، والغياب المتكرر والرشوة والواسطة أو الشفاعة غير المحمودة، وغير ذلك من صور الفساد الإداري والمالي
عزيزي القارئ: إزاء كل ما سبق بيانه من صور وأشكال الممارسات والسلوكيات السلبية الخاطئة، وإزاء ما أصاب فئات من مجتمعنا من فقدان الهوية وذوبان القيم والأخلاق الإسلامية ذات المنبع الصافي والسامي

ما هي الحلول الناجعة لمواجهة وحل هذه المعضلة؟ وما دور ومسؤولية كل فرد من أفراد المجتمع في منظومة هذه الحلول؟ هذا ما سيكون موضوع لقائنا القادم، بإذن الله