#العبدة وسم في موقع التواصل الاجتماعي تويتر أنشأته الزميلة الكابتن نوال الهوساوي - وهي كابتن طيار حاصلة على الرخصة الأمريكية الفدرالية في الطيران- من مكة المكرمة، لتغرد من خلاله حول قضيتين مهمتين حول العنصرية
الأولى قضية خاصة وتتعلق برفعها قضية في المحاكم السعودية ضد من قامت بوصفها في مكان عام بالعبدة احتقاراً، في إشارة إلى لون بشرتها
وأما القضية الثانية فتتكلم عن العنصرية بشكل عام في مجتمعنا، وبالأخص ضد أصحاب البشرة السمراء
وأهمية هذا الوسم أنه فتح باب النقاش ضد واحدة من القضايا المسكوت عنها حتى حين يأتي الحديث عن العنصرية
فقد تحدث إعلامنا بإسهاب عن العنصرية المناطقية، والعنصرية المتعلقة بالأصول، وكذلك العنصرية المذهبية، والعنصرية ضد الأجانب، وصولاً إلى التمييز الجنسي (الجندري) ضد النساء، لكن العنصرية التي يواجهها السعوديون – ناهيك عن الأجانب- من أصحاب البشرة السمراء الداكنة أو السوداء لم تنل نصيبها من الاهتمام، رغم انتشارها كما سيخبرك هؤلاء بأنفسهم
ولعل بعض المناسبات الرياضية الأخيرة تؤكد لنا مدى تغلغل هذه المشكلة
بل لعل الإعلام ساهم - بقصد أو من دون قصد- في تعميق المشكلة حين سلط الضوء على أصحاب البشرة السوداء فيما يتعلق بالجرائم أو المخالفات، ويتجاهلهم في مواضع التميز والإبداع
بداية العنصرية ضد السود لا تزال تنخر في جسد أكثر المجتمعات الإنسانية تقدماً في مجال الحريات وحقوق الإنسان، فبالرغم من وصول رئيس أسود إلى سدة الحكم في أقوى دولة في العالم، فما زال الأمريكي الأسود يشتكي من احتكار المناصب القيادية في الدولة وفي القطاع الخاص من قبل الأغلبية البيضاء، وما زال هناك فارق في الدخل بين الأغلبية والأقليات، وكذلك الأمر فيما يتعلق في نسبة الجرائم، والتسرب الدراسي، والمشكلات الاجتماعية الأخرى
ولم نر حتى الآن في القارة الأوربية رئيساً أسود
لكن الفرق بين هذه الدول والدول النامية هي اعترافهم بوجود المشكلة، وبالتالي سعيهم لحلها عن طريق سن القوانين التي تجرم العنصرية بصرامة، أو التي تلزم أرباب العمل بمبدأ «الفرص المتساوية» عند التوظيف، وعن طريق دعم حكومي وأهلي لهذه الأقليات عبر برامج تقدم لهم المساعدات المادية والمعنوية وتمنحهم ميزات تفضيلية في المنح الدراسية الجامعية بحيث تكسر الاحتكار السابق لجامعات النخبة من قبل الأغلبية
جاء الدين الإسلامي قبل أكثر من 1434 سنة برسالته السامية التي جعلت الأفضلية بين البشر بالإيمان والتقوى، ويتعلم أطفالنا في كل المدارس العربية والإسلامية تقريباً كيف أعلى الله شأن بلال الحبشي الذي كان يوماً عبداً مملوكاً بالفعل فأعتقه أبوبكر الصديق – رضي الله عنهما- وكيف توعد بأشد العذاب في جهنم لعبد العزى بن عبدالمطلب والمعروف في تاريخنا الإسلامي بأبي لهب، وهو الأبيض الهاشمي القرشي وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكفره وصده عن سبيل الله
لكن يبدو أن هذه الدروس تنسى بمجرد أن يترك الطلاب صفوفهم أو يؤدوا اختباراتهم النهائية
فما زال تراثنا الشعبي يعج بالكثير من الأمثال والحكم التي تعلي من شأن البياض قبل أي شيء آخر بما في ذلك المقومات الجمالية الأخرى، ولعلني أذكر مثلين معروفين في منطقة الحجاز، والتي يفترض أنها من أقل المناطق عنصرية في وطننا العزيز، ومع ذلك لم تنج من هذه الآفة
المثل الأول يقول «يا ليتني بيضه وليا ضب

أصله البياض ينحب»، والمثل الثاني « يا ريتني بيضه وعرجه

اصلوا البياض فُرجه»
وحتى إن لم نعد نستخدم هذه الأمثال كثيراً اليوم، ولكن ممارساتنا اليومية تعكس هذه النظرة
فمن المعتاد مثلاً في منطقة الحجاز أن تتزاوج الأعراق المختلفة من عربية وأعجمية، بل والجنسيات المختلفة كذلك، ولم يعد ذلك لا غريباً ولا مستنكرا، إلا حينما يأتي الأمر لموضوع اللون، فهنا يظهر الامتعاض لدى الأهالي إن لم يكن الرفض، حتى في حالة رغب الشاب والشابة بالزواج من بعضهما، وحتى في حالة الموافقة وإتمام الزواج بالفعل فما زال المجتمع يبدي دهشته واستغرابه
ويشتكي الطلبة وغيرهم من بعض الممارسات العنصرية في أماكن الدراسة والعمل، حتى وإن لم يكن بشكل صريح، ولكن أحياناً مجرد استخدام لفظ مثل «العبد» على سبيل المزاح قد يتسبب في جرح مشاعر إنسان
نعود لقصة زميلتنا نوال، والتي أشد شخصياً على يديها لأنها اتخذت الطريق الصحيح للتعامل مع الاعتداء اللفظي الذي تعرضت له، حيث وكلت محاميين لتمثيلها، وعملت محضراً في الشرطة يوثق الحادثة، ثم تحولت القضية إلى هيئة التحقيق والادعاء العام، التي حولتها بدورها إلى المحكمة
وكما روت عبر تويتر فقد حضرت جلسات لمحاولة الصلح، وبالرغم من حزنها على أمها التي كانت تعتذر منها وترجوها أن تغفر لابنتها، إلا أنها فوجئت بموقف الفتاة المتعنت، حيث رفضت الاعتذار رغم معرفتها بإمكانية تعرضها للجلد أو السجن أو الغرامة وغيرها من العقوبات المحتملة، فقد كانت العنصرية والنظرة الاستعلائية متضخمة عندها ومن الحدة بمكان بحيث أنها مستعدة لقبول العقوبة في سبيل عدم الاعتذار «للعبدة»! والغريب أننا وجدنا من يستنكر على نوال الهوساوي رفعها للقضية، وأن الموضوع «عادي وما يستاهل»، وأنهم «حرام عليكِ ستخربين مستقبل البنت» ناهيك عن تعليقات عنصرية أخرى تطلب منها الرحيل عن هذه البلاد لأنها أصلاً مجنسة وليست من أهلها! في المقابل شجع الكثير من المغردين والمغردات الكابتن نوال بعد معرفة القصة على عدم التنازل، ليس من باب الحقد والكراهية والانتقام، وإنما لتكون هذه الحادثة بداية لوعي مجتمعي، وإجراء قضائيا، ضد العنصريين كافة
فالعفو عند المقدرة محمود لمن يستحقه، ولكن في القصاص أيضاً حياة في حالات أخرى
قد لا نستطيع أن نغير أفكار الناس وقناعاتهم بين يوم وليلة، وقد نعجز أبداً عن إزالة العفن العنصري الذي نبت في عقولهم وقلوبهم، لكننا نستطيع أن نجعلهم يفكرون ألف مرة قبل أن ينطقوا بكلمة سيئة تحط من قدر أخ لهم في الإنسانية لأنه يختلف عنهم في لونه أو عرقه أو منطقته أو جنسه أو جنسيته أو مذهبه أو انتمائه الفكري