عدت إلى مصر في زيارة طارئة لظرف عائلي.. واستقبلني ابن عم لي بالمطار، وعندما بدأنا بالتحرك إلى بلدتي في وسط الدلتا، وبعد السؤال عن الأهل بالقرية، سألني عن ولده وابنته اللذين ظهرت بأيديهما بعض الإصابات الجلدية، التي تسمى الثآليل، وقال إنه سمع أن العلاج الجراحي أو الاستئصال بالليزر لا يقضي عليها، وأن هناك بالقرية سيدة تمس هذه الثآليل بسعف النخل، ثم تدفن هذا السعف بالأرض، وكلما جفت سعفة شفيت تلك الثآليل، وأن خالتهما كانت مصابة في كل جسدها، وشفيت تماما بعد تعويذات تلك السيدة على سعف النخل.
ابتسمت وقلت الكلام المعتاد إنها خرافة ونصحته بالذهاب لطبيب مختص لاستئصال تلك الثآليل، ودخلت منزلي بمدينتي التي تبعد عن القرية عشرات الكيلومترات، وبعدما سلمت على الأهل وجدت على سرير ابنتي كتاب «الإنسان الحائر بين العلم والخرافة» للدكتور عبدالمحسن صالح، من إصدارات عالم المعرفة، واحتفظت بالكتاب وبدأت تصفحه في الساعات المتأخرة من الليل، كان الدكتور نولين واحدا من أشهر الجراحين الأمريكيين في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وقد صدم عندما اجتاحت العالم موجة ما يسمى بالعلاج الروحاني، فالتلفزيون الفرنسي نقل على الهواء مباشرة عملية جراحية أجراها طبيب روحاني فلبيني، وبدا «الدجال» وهو يجري عملية جراحية لمواطن فرنسي، ويمد أصابعه في بطنه فيستخرج كليته، ويخرج منها رمالا، ثم يعيدها ويمسح على بطن المريض ليشاهد الناس أن لا أثر لجروح العملية، وتعلق الصحف أن آخر فلبيني «وقد برع الفيلسوف في هذا التخصص من الدجل» استخرج ضفدعا من بطن مريض آخر.
وقرر د.نولين أن يترك عيادته وعمله وأن يسافر للتأكد من هذه الخرافات التي ملأت العالم، وبحث الرجل عن أكثر الأطباء الروحانيين شهرة في أمريكا، فلم يجد أكثر شهرة ونجاحا من الآنسة كاترين كولمان، وقرر أن يذهب إليها.. لن أطيل عليكم حضر د.نولين إحدى الجلسات العلاجية الكبرى للآنسة كولمان حيث أعلنت في نهاية الجلسة عن الشفاء التام لعشرين حالة طبية مستعصية، وقام كل مريض يشكرها ويقول إنه أصبح لا يحس بأي ألم أو شكوى.
وتابع الرجل الحالات العشرين وخلال ستة أشهر كانت حالة الجميع الصحية تتدهور بشدة وتقارب على الوفاة، نعم كان دجلا علميا مؤسسا على الإيحاء النفسي هناك، ودجل مشعوذ مؤسس على الخرافات هنا،.. وتبقى الخرافة بكل أشكالها لا وطن لها.
ابن عمي والدكتور نولين.. الخرافة لا وطن لها
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
