ما أكثر وحوش أمن النظام السوري، الذين انتهت رحلة توحشهم بالقتل البشع على يد النظام نفسه. فهذه ظاهرة لافتة، وكأن الديكتاتور القابع فوق بؤرة من الحطام السوري، أرضاً وشعباً ومجتمعاً وعُمراناً؛ يصل في المرحلة الأخيرة مع كثير من مجرمي أجهزته الأمنية، إلى النحر البليغ، لكي يطوي الشواهد الحية وأسرار «رحلة» كل منهم وما تلقاه من تعليمات أطاعها طاعة عمياء. تماماً كمحاولات إخفاء شواهد إطلاق الغازات من كل نوع، على الآمنين من خلق الله أطفالاً ونساءً، وإلا لماذا التصفية، بينما الإحالة إلى الرف، أيسر من شطب بيت العنكبوت؟!
بات اليوم، رستم غزالي في خبر كان، مدمى مثخناً بالجراح إن لم يكن قد لفظ أنفاسه الأخيرة. هو خليفة غازي كنعان، كرئيس لـ»شعبة المخابرات العسكرية والاستطلاع السورية» في لبنان، الذي نحره النظام في أكتوبر 2005، بعد عامين من سحبه من الأراضي اللبنانية وتنصيبه وزيراً للداخلية. واللافت أن ضحايا التصفية كمكافأة أخيرة، هم من ضباط الصف الثاني الذين صعّدهم النظام إلى سوية الصف الأول من القيادة الميدانية، في عمليات ترقية أشبه بصفقات استرضاء لطوائفهم ومناطقهم، وهم ممن ارتبطت أسماؤهم بملفات محددة: قتل رفيق الحريري في لبنان، والقمع الوحشي للتظاهرات المطالبة بالعدالة في سوريا. فقد قُتل مثلاً، العماد أنور كامل جامع في دير الزور (المعروف باسمه المسجوع: جامع جامع) في ختام رحلة من الفتن والاغتيال بدأها ضابطاً صغيراً في ضاحية بيروت الجنوبية، يؤجج الصراع بين حركة «أمل» و»حزب الله» لكي يزيح عن قيادة الأخير عناصر الطاعة غير العمياء لطهران ودمشق. ونُسب قتله إلى «جبهة النصرة» كذباً. وفي يوم إهالة التراب عليه، تباكى خليفته الدرزي عصام زهر الدين، ذو الشارب المعكوف، قائلاً على مسمع من الجميع: «وحياة ترابك الغالي لأمحي دير الزور وأزرعها بطاطا»!
كان «جامع» ذاك، ذا تاريخ يزخر بكل المخازي والجرائم، وهو من الضباط الذين وردت أسماؤهم في لائحة قتل الحريري. أما غزالي، ذبيح النظام اليوم، فهو نفسه الذي تعمد حسن نصر الله أن يقدم له في احتفال حاشد بندقية إسرائيلية غنمها رجاله من جنود إسرائيل، كهدية له على ولائه المطلق للنظام، وتماهيه مع موقف الحزب في لبنان، لا سيما في موقفه حيال اتهامات المحكمة الدولية بضلوع عناصر من «حزب الله» في جريمة قتل الحريري!
وكانت عملية قتل غازي كنعان، أشبه بمسرحية رديئة، فقد أعلن الطب الشرعي التابع للنظام نفسه، في عُجالة مزرية، عن انتحار الرجل «برصاصتين» تزامنتا مع توجيه الاتهام لكنعان بالمسؤولية التنفيذية عن قتل رفيق الحريري. وهنا، يتعمد المساندون للنظام الذي يقتل ويشرد شعبه، الاستفادة من القيمة الرمزية لمقاومة المحلتين، لإدامة أمد النظام وتبرئة الجزارين. ذلك علماً بأن الموقف الإسرائيلي من الصراع في سوريا، يميل إلى النظام وفق معادلة خبيثة عبّر عنها الكاتب الأمريكي الصهيوني دانييل بايبس في لقاء تلفزيوني، وهو أحد الذين لا يتكتمون على حقيقة الموقف الصهيوني من الصراع في سوريا. قال: «موقفي ليس نابعاً من أي تعاطف مع نظام الأسد أو إعجاب به، فهو نظام فظيع جدير بالازدراء، ولكني إذْ أنظر إلى الموقف ككلّ، نظام الأسد البغيض، والمتمردين الذين يزدادون فظاعة، أعتقد أنّ الأفضل لنا هو أن يواصلوا الاقتتال فيما بينهم. لا أريد منتصراً في هذه المعركة يتولى قيادة سوريا، ويصبح جاهزاً لقتال جيرانها، نحن سنكون في حال أفضل إذا ركّزوا على بعضهم بعضا، وهذه نقطة استراتيجية وليست إنسانية»!.
ولأن ملة المجرمين واحدة، لا تبالي بأرواح البشر، فإن مكافأة النظام السوري للأزلام الذين ينطوون على الكثير من أسرار لها تبعات دولية، هي النحر دونما اكتراث بالعامل الإنساني أو الحيواني الذي حياة الخادم المحب، عزيزة مصانة، من قبل المحبوب!
[email protected]
خدمات دموية والقتل مكافأتها الأخيرة
عدلي صادق3 دقائق للقراءة

حجم الخط
