قبل أكثر من ثلاثة عقود استطاعت الخرسانة المسلحة محو الكثير من المنازل الطينية القديمة التي بناها الأجداد وعمروها بما تحمله أرضهم، ومن جذوع النخل وجريده، ولم يفكر إلا قليلون في الحفاظ على عمارتها التقليدية وزخارفها الفريدة المعتمدة على الأقواس وأشكال النوافذ، وزخرفة بوابات البيت الفنية التي يقاس بحجمها وروعتها ثراء صاحبها وكذلك وجاهته
واليوم يعود البناء الطيني بحلته القديمة إلى محال تجارية ونزل ريفية، كـ»مردود اقتصادي كبير» لأصحاب تلك المحلات، وفي محاولة جادة منهم لإحياء التراث الذي يكاد يندثر يوما بعد يوم، لأن رائحة الماضي لها طعمها الخاص ومذاقها الفريد الذي لا يُمل
وتضم واحة الأحساء التي عرفت بعراقتها المعمارية كثيرا من تلك المباني الطينية القديمة الحديثة، ولم تخلُ منها أركان بعض المنازل المسلحة المبنية حديثاً
ويؤكد أحد المهتمين بإنشاء المباني الطينية، السيد حسن الحسين، لـ»مكة» أن الطلب على تعمير وإنشاء مبانٍ جديدة بالمواد الطينية مايزال يلقى إقبالا كبيرا من الأهالي والمستثمرين وأصحاب المزارع الفارهين، الذين يفضلون أن تكون مجالس ضيافتهم مبنية من الطين، فلها شكلها وروعتها داخل المزرعة، وعادة ما تحاكي التصاميم القديمة لأسلافهم، مشيرا إلى أن تكلفة البناء تتشابه إلى حد كبير مع المسلح الحديث إن لم تتفوق عليه، فيضطر العاملون في هذا المجال إلى استيراد أخشاب خاصة من دول آسيوية وغيرها، لتتوافق مع العمارة القديمة، وتتحمل فترة زمنية طويلة
بينما يرى المواطن يوسف العلي أن فلسفة العودة إلى الطين تتلخص في البساطة التي تحمل معها فن التصميم الخلاب، «لذا نرى أن إقبال الشباب على المقاهي والمطاعم والاستراحات وقصور الأفراح التي تحمل هذه الخاصية كبير ورائج، فهم جيل وُلِدَ في أحضان الخرسانات الصاخبة والتطور الصناعي الهائل، ولحظة ما يستريح أحدهم في ديوانية معتقة في القدم يشعر بالانتماء الأزلي للمادة التي خُلِقَ منها أول مرة، وهذه فترة وطبيعة يميل إليها الإنسان، ويظل ملتصقاً بها دائما»، موضحا أن الأجداد في هذا الفترة يبقون على منازلهم القديمة التي لم تهدم، ويحاولون بقدر ما يستطيعون ترميمها من جديد، لأن لهم معها ألف حكاية وألف ليلة وليلة
واعتبر العلي أن واحة الأحساء ماتزال تحتفظ بقصور تاريخية قديمة جدا، مبنية من الطين، وبعد ترميمها والاعتناء بها، أصبحت عامل جذب وافتتان للكثيرين، ومن هنا يتجدد الحنين للأصل