(١)
لا أتصور يوما تتوج فيه الثقافة نفسها بفرح ونشوة واعتزاز، مثل يوم من أيام ثقافية (يعرض) فيها الكتاب، يباع ويشترى، ويكون هو المقصد في ذلك الفضاء الممتد برائحة العقول حين تفور بدم الزعفران العتيق.
ليس ثمة أجمل من (الكتاب) في زمن (الخواء) الفكري المجتمعي، و(صراخ) دعاة
الفضائيات من نجوم الصحوات المجيدات، وأعمال (داعش) الخارجة من رحم الغلو والإقصاء والقتل، ليس ثمة أجمل من الكتاب.. في أي زمان ومكان!
(٢)
ما يغيظني، وربما أغاظ الكثير معي طائفتان (لا ثالث لهما): المحتسبون من بعض رجال الهيئة وغيرهم، وهم يتلصصون على (عيون) النساء الزائرات، يأمرون تلك بتضييق حجاب العين، والأخرى بالبعد عن رجل كان في غفلته عن قربها، يبحث عن كتاب، ليجعل هؤلاء (المتشنجون) الأب أو الزوج في حرج بالغ مع بناته وحليلاته، اللاتي لم يرفع عليهن صوته أحد سواه، بلغو من إفراط القول وصلف الأمر!
هؤلاء المحتسبون يظهرون وكأنهم بمنأى عن حياة الناس وفعالية المناسبة.. في واد بعيد عن اليقين والفضيلة والثقافة والحياة، والناس في واد آخر!
من الذي جعل في ذهنية هؤلاء المتشنجين أن في الثقافة شرا مستطيرا، وفي المثقفين أعداء للأمة (خطيرين)؟ من الذي جعل هؤلاء المتشنجين في خصام مع الثقافة والأدب (بنوعيه) والجمال والفنون؟ من الذي (أوهم) هؤلاء المتشنجين أن فرائسهم (تكثر) في مهالك الكتب وملتقيات المعرفة؟
من الذي (خطب) في هؤلاء خطبته (البلهاء)، التي (سوغت) لهؤلاء الفتية بأن يكونوا أوصياء على الشرفاء والحرائر والأساتذة والعلماء والمثقفين؟ من الذي ضحك على هؤلاء، ليجعلهم (يستسهلون) أخذ كتاب من موقعه على رف الدار المطمئنة، ثم ينظرون إلى ناشره أو صاحبه أو مقتنيه، كأنهم ينظرون إلى مجوسي من عبدة النار، أو إلى زنديق ملحد لا يعرف لله عز وجل وجودا؟ ثم يحاكمونه بثقافتهم الغائبة ويرسلون لكبرائهم بضرورة سحبه وتخليص الأمة من شروره!
أما الطائفة الأخرى التي (عكرت) فضاء الكتاب الرحيب.. الجميل فهي طائفة أدعياء (الكتاب) و(الثقافة)، من الإعلاميين (والمستثقفين)، ممن يحرصون على الحضور، (فقط) ليراهم الناس نجوما تتلألأ في سماء المظاهر الخادعة.. إيمانا منهم بأن للشهرة فتنة لا تجاريها فتن الحياة الدنيا كلها، أو ممن فتح الله عليهم - في غفلة من الزمن الثقافي الخالص - بكتاب أو برواية (رخيصة) استغل صاحبها اسمه (الشهير) لـ(يسوق) ذاته على البسطاء والمشترين (بالجملة)!، كما استغل هؤلاء (المترززين) هشاشة أسس الناشرين المرموقين الذين كانوا (ينشرون) لمحمد مفتاح والعروي والخطابي ويقطين والغذامي، فأصبحوا ينشرون (للثمين والرخيص) معا، مع غياب تلك القيم المعرفية والفنية الرصينة! فالمهم لدى الناشر العتيق أصبح (المال)، ولدى (المؤلف الجديد) (الاستوجاه) و(حفلة التوقيع)!
وهذه الطائفة يشترك فيها الجنسان على السواء، وهي في الجنس الأنثوي أكثر بشاعة وعبثا!
(٣)
هذا الكم الهائل من مرتادي المعرض ذكورا وإناثا يسر الخاطر (ولا شك)، ولكنه (سيسر) أكثر عندما يعرف هؤلاء ماذا يقرؤون؟ وما هي المخرجات المعرفية التي يجب أن تفضي إليها كتبهم التي فازوا بها من (المعرض الفسيح)؟
كل خطوة صحيحة للنهوض والازدهار تحتاج إلى (آلية) صحيحة للسبل التي يتحقق بها النهوض والازدهار.
ماذا لو (امتلك) هؤلاء المرتادون، أو معظمهم (على الأقل) من شبابنا وشاباتنا المنهجية المثلى في اختيار ما يقرؤون؟.. عندئذ يمكن لنا انتظار (الأثر) الإيجابي للثقافة والقراءة، والتي تبلغ بنا مع الزمن (مجتمع المعرفة)، الذي هو السبيل الخالص والوحيد لأمة تريد حقا النهوض وإثبات الوجود ومواكبة ركب الحضارة، وتحقيق خلافة الله على الأرض المباركة.
(٤)
(كل) مشكلاتنا وأزماتنا بسبب حضور خطاب خطابات عاطفية سلفية انفعالية، وغياب خطاب الثقافة.. (الثقافة الخالصة).. (الثقافة الحقيقية).. لذلك فإن غياب (المنهج) في (إيجاد) هذه الثقافة المنشودة، يجعل كل تلك الجهود تضيع هباء هباء في عالم (القراءة) المستهلكة..!
من تداعيات (معرض الرياض للكتاب)..!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
