alhelali.
a@makkahnp.
com بعض الحكايات أشبه ما تكون بالخرافة أو الأسطورة، ولم أعتد تنحية عقلي أمام الكثير من الأخبار سواء التي يوردها التراث، أم يتناقلها الناس اليوم في عصر التواصل وثج المعلومات الرهيب، لكن أمام هذه الحكاية قلت لعقلي «استرح»، ولا تتذاكى ولا تحلل، سأرويها بثقالة دمها ودمي «واللي عقد روس الحبال يحلها»، لأسباب ثلاثة: الأول: أنها حدثت في مدرسة وحكايا المدارس كثيرة وغريبة في كثير من الأحيان.
والثاني: أن مصدرها عزيز ألح عليها كثيرا وتقصّى حتى أوكل عهدتها إلى طرف من أطراف الحكاية مباشرة، وزودني باسم المدرسة.
والثالث: سأقوله أسئلة في خاتمة الألم.
الحكاية يا سادة أن معلما في مدرسة متوسطة بالطائف أصابه الضجر، فزمجر وهدر وأخرج طالبا مزعجا من الصف إلى الممر، فكتم غيظه حتى أكمل الله الحصة بسلام، إلا أن الطالب المطرود فاجأه بوقاحة وفجاجة ودفاشة مَن يرد الصاع صاعين: «اخرج يا أستاذ فقد انتهت حصتك».
هنا صهلت في دماء المعلم خيول عبس وذبيان، وقدحت سنابكها حرائق في كل خلية عقلية قرأت (والكاظمين الغيظ)، فانطلق كإعصار كاترينا، وانتقم لكرامته بيده حتى استنقذ الآخرون الغلام من غضبته المضرية.
وفي اليوم التالي حضر الغلام وأبوه إلى المدرسة، وهدد بشكوى مجلجلة يسمع بها القاصي والقاضي، فكان أهل الخير كعادتهم سبّاقين إلى رأب الصدع وتقريب وجهة الصحن (أقصد النظر)، ورحب الفرقاء، فقال قائلٌ من القضاة «يا أمة محمد، إن لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وقد كان يقتص منه أصحابه، وعلى هذا فلا ضير أن يأخذ هذا الغلام حق جلده المكدوم والملدوم من هذا الجالس المأثوم» وأشار إلى المعلم المغلوب على أمره، وقد داوم دون أصابع بعدما أكل آخرها في مواقف المدرسة ندما.
(ما لكم بالطويلة) دخل الأب وابنه ومن كان في أعين طلابه أستاذا فاضلا قبل دخوله الأخير، ودخل فاعلو الخير حلالو العقد، الذين لو علم عنهم (بان كيمون) لاصطفاهم لحل النزاعات الدولية، فأعطوا الغِر عقالا كأنه حنشاً، لدغ به جسد التعليم كله في أعين الصغار ثلاث أو أربع لدغات فصيحات، تحت تبسم الأب المنتصر، وتهليل هيئة النظر العاقلة، وكاد الجمع أن يتفرقوا قبل أن يمر معلم مجنون في نظر رجاحتهم، عاتبهم وهددهم على فعلتهم الشنيعة وهم يمزقون جسد التعليم في جلد ذلك المعلم الساذج.
قرائي الكرام، لا تستعجلوا ما زال للوجع مداه، فقد عاد الابن وأبوه منتصرَين إلى المنزل، وبعدما تناقص إدرينالين النشوة في جسد الغلام، شعر بألم في معصمه، فشكاه على أبيه الصلب، فاكتشف المستشفى (شعرا) في ساعده، فثارت ثائرته وأقسم أن يعيدها (جذعة)، فوضع الأمر بين يدي قضاة الأمس، فربما يعيدون الجلد بخيزران هذه المرة، أو يقطعون يد المعلم، لكن رجاحتهم كانت أعلى من توقعاته، حيث حضر القضية معلم برتبة قاضٍ قبَلي، ففكر ونظر، ثم فكر وقرر أن المعلم المجلود لن يعجز عن ستين ألف ريال، وحلاوتها خمسة خرفان سمان يأكلها هنيئا مريئا القاضي وفاعلو الخير والأب وأحبابه.
فساروا بها إلى منزل الأب الذي رق حياؤه، فاكتفى بالخرفان الخمسة، وردّ المبلغ.
وانتهى الفيلم الأليم بخمسة طليان سادسها (.
.
.
) مصلوخ.
هذه الحكاية ـ إن صحت ـ تضعنا أمام حالة اكتئاب عميق مما وصل إليه الحال في بعض مدارسنا، فإخراج الطالب من الصف ليس أسلوبا تربويا مهما كان المبرر، وبقاء الطالب في الممر طيلة وقت الحصة يصنع سؤالا عريضا (أين الهيئة الإدارية للمدرسة)؟ ثم هجوم المعلم العنيف على طالب صغير الجسد والعقل، فمهما كان حجم الاستفزاز، يجب أن يكون المعلم رجلا واعيا ومدركا ومهيئا نفسيا بأنه سيجد مثل هذه الاستفزازات من الصغار، خاصة في عصرنا الحاضر، واسألوا عن هذا المعنى موظفي البنوك أو المستشفيات أو الدوائر الحكومية ذات العلاقة بالجمهور وهم يتعاملون معنا نحن الكبار فما بالك بالأطفال!!السؤال المر في هذه القضية أين مدير المدرسة؟ وكيف يسمح بكل هذه الانتهاكات الفظيعة في مدرسته؟ ألم يهيء إداريا لإدارة المشاكل التي يُتوقع نشوؤها بين المعلمين والطلاب، وبين المعلمين وأولياء الأمور؟ أين الأنظمة التي تحل هذه المشكلات بأقل خسائر ممكنة للمؤسسة التعليمية ولمعلميها وطلابها؟ لم نسمع بأن يقتص الإنسان بيده في أي حكم قضائي، فكيف آمن معلمونا بهذا وصدقوه إلى حد التنفيذ (جلدا/ وتغريما)؟أسئلة مرة أترك إجابتها لمدير تعليم الطائف، ووزارة التعليم، فالطالب يهمنا جدا، والمعلم أيضا يهمنا جدا، ولا أظن الوزارة تقبل أن تكون مدارسها بيئة للأحكام العرفية والقبلية والارتجالية التي يكون غاية أصحابها في كثير من الأحيان (مفطح محترم)، ويظل الداء حيا في تغييب الأنظمة واللوائح!!