حينما تكون الحاجة أم الاختراع، فإن الوسيلة هنا لا تعرف جنسا معينا، بل تكون الفرص حاضرة، خاصة لأولئك الذين يريدون العمل باليد ويأكلون كما يقال من عرق الجبين، وتحضر المرأة في هذا المجال، خصوصا حينما تكون هي رب الأسرة، فإن عمل اليد يعد الأنسب لها، إذ إن هذا المجال تحديدا لا يعترف بالشهادات، فقط يعترف بمن تحترف المهنة وتتقن الصناعة.
صانعات «الكليجا» ربما يكن أشهر الحرفيات في الوقت الراهن، إذ أسهم إتقانهن لصنع هذا المنتج في نقلهن إلى صانعات ماهرات لهن ماركتهن التجارية، وشهرتهن التي تخطت الحدود، ففي ركن صنع الكليجا بمهرجان الكليجا السابع المقام حاليا، بمركز الملك خالد الحضاري بمدينة بريدة، تجذب (أم عبدالله) الزوار وهي تعجن بيديها المنهكتين الذكريات للعائلات عبر مشهد رائع، كيف كانت صناعة الكليجا رمزا وحضارة لأهل بريدة حتى الآن.
تلك المرأة المسنة التي تعول عددا من الأبناء أصبحت تمتلك ماركة تجارية (كليجا أم عبدالله)، تقول: أعمل على وضع حاويات وأكياس تحمل علامتي التجارية، فالكليجا مهنتي، وأمتلك عمرا معه، حيث ساهم بنقلي من حال الفقر لحال العيش الرغيد.
وزاوية أخرى من المهرجان، تعد (أم أنس) أنموذجا يحتذى به عن دور المرأة وصمودها عندما تنضم إلى قائمة المكافحات، والمحافظات على الإرث والتاريخ، من أجل البقاء بشرف والعيش على الرغم من ثقل المسؤولية وتحمل مصاريف الحياة وتحدي الفقر.
وتشير خلال حديثها لـ»مكة» إلى أنها ورثت صنع الكليجا من جدتها ووالدتها، وبادرت لامتهانها، وكانت قد حفظت خلطة شعبية مميزة عن جدتها، إذ تحسنت معيشتها، كما اشتهرت لدى المبتعثين في بريطانيا وأمريكا، وكذا الجاليات المتواجدة هناك، إذ إن أقراصها تحمل نكهة خاصة.
«ولم تعد الكليجا، مجرد سلعة غذائية تباع بثمن بخس، بل باتت محورا رئيسا في قيام مئات المشاريع للأسر المنتجة، مع ما يتبعه من مواد أخرى كالبهارات والحلويات الشعبية ومشتقات التمور وغيرها»، هذا ما تبرهن عليه (أم ثامر) التي امتهنت صناعة الأكلة الشعبية وبيعها منذ أكثر من ربع قرن.
وزفت بفرح عارم لمسؤولي مهرجان كليجا بريدة السابع خبر شرائها فيلا سكنية من ريع عملها وبناتها في هذه المهنة وبمساعدة من أبنائها، بعد أن كانت تقطن في شقة صغيرة لا تكاد تتسع لأفراد عائلتها ذات الدخل المحدود، موضحة أن المهرجان ومنذ انطلاقته قبل سبعة أعوام كان سبيلها الوحيد لتكوين قاعدة عريضة من الزبائن، حتى ذاع صيتها ووصل إلى بعض العواصم العربية والأجنبية بعد أن كانت تبيع في أزقة وأحياء بريدة.