في كلمته قبل فترة أمام التجمع اليهودي السنوي بأمريكا قال نتنياهو: (أمريكا تخاف على أمنها وإسرائيل تخاف على وجودها)، لتكون هذه الجملة الإنشائية ذات الدلالة السببية على ما يرجوه هذا الرجل من أمريكا بمثابة برهان وقع في نفسه أنه الداعم لأن يقف الخائفون في صف واحد.
لكن مثلي الذين يقرؤون السياسة بعفوية لا تعرف أسرار ما يدور في فلك العلاقات الإسرائيلية الأمريكية ينصرف ربطهم لما صرح به نتنياهو بما هو راسخ في ضمائر المسلمين وأذهانهم بتوجيه من ربهم أن الظلم والغصب والاعتداء إلى زوال ولو طال أمده واستشرى شره.
يعرف الإسرائيليون بأن الأمريكان تصدع درعهم المعنوي منذ عقد من الزمن ولو أبدوا شراسة في ردة فعلهم، وبأنهم يدورون في دائرة من التوجس والاحتياط الأمني يغلب عليهم الخوف الشديد أن يكون أمنهم في مرمى مفاجآت من يعاديهم من التنظيمات الظاهرة والخفية في دول ربما فقدوا سيطرتهم المعنوية والسياسية عليها.
لذلك قال الإسرائيلي حقا ظل الأمريكي سنوات وهو يلمح عليه ويعرض به أنفة واحتفاظا ببعض الكبرياء، فخوف أمريكا على أمنها فرصة سانحة أن تستحوذ إسرائيل على تلك المشاعر السياسية وتطير بها صوب خوف أصيل قديمٍ مستمر دائم ترزح فيه زمرة الغصب في فلسطين، لتعود الصورة للمواطن الأمريكي أنه والإسرائيلي رفيقا نضال للانعتاق من الخوف.
خوف إسرائيل على وجودها من فم رئيس وزرائها له نكهة تختلف، تثبت لكل العالم بأنه ودولته أصحاب اعتراف بظلمهم وغصبهم وجرائمهم، وتذكر المشككين في عدم أحقية إسرائيل ويهودها المستوردين في شبر واحد من أراضي فلسطين، فلا يخاف على الوجود إلا موجود بظلم.
ربما يسعني القول بأن إسرائيل في الوقت الحالي في أضعف حالاتها المعنوية عبر تاريخها حين اضطر نتنياهو لأن يصدح بخوف على وجودها معترفا ضمنا بقوة وصلابة وقدرة الكفاح والنضال الفلسطيني في الداخل والخارج لاسترداد حقه وأرضه وتقرير مصيره.
وكأن الرجل يقول في محفل يهودي الولاء: أيها الأمريكان نحن وإياكم نشترك في الخوف، ولو اختلف ما نخاف منه واتحد من نخاف منه، والخائفان يملكان من دوافع الاستباق ذات المقدار، ونحن وإياكم في خندق الخوف إلزاما لا اختيارا، فماذا أنتم صانعون؟
هذه الجملة، التي أحسبها من الأحقية بمكان أن يأخذ بها الدارسون للسياسة الإسرائيلية، جعلتني أتابع الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وخاصة القائمة المشتركة العربية داخل الخط الأخضر الموحدة لأول مرة في مسار مشاركة العرب الفلسطينيين في انتخابات الكنيست وقلت: ماذا لو حصل وفاز تكتل عربي يوما في تلك الانتخابات؟ وماذا لو اضطر الحزب العربي الفائز لترشيح رئيس للوزراء من عرب فلسطين؟ وكيف سيكون حال إسرائيل وقتها؟ فإسرائيل أغاظها كثيرا فوز (أوباما) ذي الأصل الأفريقي في الانتخابات، والعدوى ممكنة، وبالرغم من سطحية توقعاتي إلا أنها تبقى احتمالا.
رجعت من هذه التحليلات العفوية لأثبت لنفسي بأنه حق لإسرائيل أن تخاف على وجودها من شخصية فلسطينية لا تخاف الموت، ولا حتى ممارسة السياسة في فم الأسد.
إسرائيل تخاف على وجودها
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
