جمع العم سعيد شتات ذكرياته، وبدأ يغزل من لحظاتها أبياتاً من الشعر يلقيها على مسامعنا عن «زمان الطيبين» و«الزمن الجميل»، كانت الابتسامة لا تغادر محياه وهو يبحر نحو ضحكات الأطفال العائدين من المدرسة، ودعوات كبار السن تمتطي نسمات الصباح إلى السماء، أما موضوعه المفضل فكان عن غمزة جميلة الجميلات سميرة توفيق في أغنية بيع الجمل يا علي، فهل كان الماضي جميلاً فعلاً كما يتصور العم سعيد ويشاركه تصوره كثير منا؟ أم يبدو كذلك لأننا نقتطف من بستان الذكريات بعض الورود التي تعجبنا دون أن نجرح أنفسنا بأشواك الأحزان؟الحنين إلى الماضي والبحث عن الذكريات السعيدة في أروقة الدماغ، ردة فعل طبيعية للعودة إلى مناطق أكثر راحة وحميمية في حياتنا، وقد وجدت بعض الدراسات أن نوبات الحنين هذه تعزز شعور الشخص بثقته بنفسه كما تجعله أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره، كما توصلت دراسة أخرى أنها تزيد من حالة التفاؤل، ويستثنى من ذلك طبعاً حالات الحنين المرضي التي يتشبث صاحبها بتلابيب الماضي ويظل يعيش أحداثه رافضاً الدخول إلى عتبات الحاضر الذي نعيشه.
فهل كان الماضي جميلاً فعلاً؟ لم نجب على هذا السؤال بعد، ربما لأن الإجابة تختلف من شخصٍ إلى آخر، وقبل الإجابة لا بد لنا أن نستحضر أننا مجتمع شهد الكثير من التغيرات الجذرية في نمط العيش والعلاقات والانتقال من القرى إلى المدن ومن الحارات المترابطة إلى ناطحات السحاب التي نطحت التواصل الإنساني أيضاً خلال فترة قصيرة جداً زمنياً، فأصبحت المسافة بين الواقع الذي نعيشه والماضي الجميل الذي لم يبرح مخيلتنا طويلة جداً.
لكن المنطق يحدثنا أن العم سعيد سيأبى أن يترك سيارته الفخمة والمكيفة ليعود إلى السير حافياً على رمال الصحراء الملتهبة.
فحديث الذكريات والحنين إلى الماضي إذن حديث ذو شجون نرسمه بخيالنا الخصب، ونعيش فيه سعادةً نزرع مروجها بما شئنا من الفرح ونرسل الابتسامات والقهقهات لتسبق خطواتنا إلى هناك.
والآن دعونا ننهي رحلتنا هذه مع أم كلثوم التي غنت قديماً لأحمد رامي:ذكريات داعبت فكري وظني لست أدري أيها أقرب مني هي في سمعي على طول المدى نغم ينساب في لحن أغنّثم تراجعت لاحقاً لتصرخ في كلمات الهادي آدمإنما الحاضر أحلى أحلى أحلى
إنما الحاضر أحلى
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
