الشمال ليس أحسن حالافي حي النوارية شمال مكة المكرمة، مياه شبكة التحلية يوما تسقي خزانات المنازل حتى ترتوي، ويوما تجف حد ترجيع الصدى، وما بين هذا وذاك، ومن تحت وايتات مياه الأشياب خلال الأزمات، تشققت طبقات الاسفلت بينابيع المياه المتسربة من أنابيب الشبكة، قال وصال المجنوني، أحد سكان الحي»من أهم ما ميز الحي حين نشوئه أنه مشمول بشبكة مياه التحلية، وهي بالفعل تصل إلى كل بيت فيه، لكنها وللأسف تنقطع في أوقات مختلفة، وإن سلمنا بانقطاعها في مواسم معينة كرمضان والحج ومع تعاقب السنوات ليس للشركة عذر في هذا لكنه واقع الحال، ومع رضوخنا للأمر نضطر إلى الاستعانة بوايتات الأشياب إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا».
وأضاف «كل هذا في كفة، وأن تجد تسربات المياه في مواقع مختلفة من الحي مشكلة أخرى، ولن نطالب شركة المياه بانتظام مواعيد ضخها، فالأمر على ما هو عليه منذ وصلت خطوط أنابيبها إلى الحي حتى أضحى الانقطاع وكأنه مجدول على مواعيدها، لكن ما نصر على حله وقف التسربات، وبخلاف تجمعها في تكوينات جوفية تفسد خطوط البنى التحتية، كالكهرباء، والهاتف، والسفلتة، والرصف، هناك خطر خفي يتمثل بتشبع التربة بالمياه، مما ينجم عنه انزلاقات في التربة قد تتسبب في انهيار البيوت، وفي أكثر من موقع سبق الإبلاغ إلا أن الشركة لم تتجاوب».
الوسط غرق ولا عزاء وفي ريع ذاخر لم تختلف تسربات المياه، عما هو عليه في حي النوارية، بل أطلت على السكان من أعلى الحي إلى أسفله، متمردة على الشبكات التي ساقتها، والسكان الذين كانوا في انتظارها، فلا الخادم الذي روض البحر وملوحته سيطر على التحلية (المصطنعة)، ولا المخدوم روى عطشه، ولا عزاء للسكان إلا ما عرف عن طبيعة المياه.
فيصل الحربي تحدث بقوله «لا أجد تفسيرا لمشكلة تسربات المياه، فمن غير المعقول، أن تخصص الدولة مليارات الريالات لإنشاء محطات التحلية، وأكبرها وأحدثها على مستوى العالم محطة الشعيبة، التي توزع مياهها في مكة المكرمة، ثم تعجز الشركة عن توفير الشبكات السليمة لنقل المياه المحلاة، وهو أمر مؤلم أن تهدر تلك المياه بكل بساطة، وليس بجديد قولنا عن بلاغاتنا المتكررة وبرود التعامل معها.
وأردف «إذا كنت أنا وستة من جيراني تزيد بلاغاتنا عن 10 في العام الواحد فلك أن تتخيل عددها في كامل الحي، الذي يسكنه ما بين 10ـ 15 ألف نسمة، ومع التجاوب المحدود جدا للشركة، تعود المشكلة مجددا، فلا نعلم بداية لها ولا نهاية، حتى انتقلت عدوى البرود إلى السكان ولا ملام، ولا حل بأيديهم، حتى إن بعضهم تجاوز هذه المرحلة، غير آسف على هدر المياه، ولكنه ناقم على ما تسببه طفوحاتها وتكويناتها من برك ومستنقعات، ناقلين همومهم إلى أمانة العاصمة المقدسة، المعنية بشفط المياه ورش مواقعها بالمبيدات، مسقطين بذلك الفصل الأول من معاناتهم، بعدما تسلل اليأس إلى نفوسهم، من إيجاد حل جذري للمشكلة».
الجنوب برك ومستنقعات في حي العوالي تظهر تسربات المياه في عدة مواقع، وتختفي تحت سطح الأرض، جنبا إلى جنب مع قواعد وأساسات البيوت.
.
نايف الراشد، من سكان الحي، ذكر أنه عندما سكن الحي لم يكن يتوقع أن يواجه مشكلة من التسربات، مضيفا «إن لم نتخلص من هذه المياه سنغرق فيها، ومتى ما سدت الطرق أمامها عادت للظهور، وفي شارع أمام منزلي وجدت المياه طريقها إلى السطح مشققة طبقات الاسفلت، ولا يستبعد أن تكون ساكنة إلى حين تحت منزلي، وإذا لم تجد الشركة حلا جذريا للمشكلة، لن أجد بدا من الانتقال ولكن إلى أين، كيلا أبالغ وبحسب ما أرى تبدو تسربات المياه في معظم أحياء مكة المكرمة».
الشرق جمع بين النقيضيننسبة لا تذكر تلك التي لم تصلها شبكات مياه التحلية في مخططات الشرائع، ولا يعرف أي الفريقين هو المحظوظ فعليا، فريق دفع ثمنا مقابل شراء الأرض التي بنى عليها منزلا مثقلا بالديون، أم ذلك الفريق الذي وفر قيمة الأرض والسلامة أيضا، وهم يشاهدون المهمومين بالدين، يستصرخون شركة المياه إيجادها حلا لتسربات المحلاة.
عبدالله الأسمري روى معاناته «اشتريت الأرض قبل سنوات بنحو 400 ألف ريال منها النصف أو يزيد ديونا من عدة جهات، ثم بنيتها عن طريق صندوق التنمية العقاري، وما زلت أسدد قيمة الديون المتراكمة، كل ذلك من أجل تأمين منزل العمر، الذي يمكن أن أخلفه لأولادي، واليوم تظهر بين فترة وأخرى في الشوارع المجاورة والأراضي الفضاء القريبة من منزلي، مياه جوفية ناجمة عن تسربات شبكة المياه، ولكن تكرار ظهورها في أكثر من موقع وبهذا القرب، يقلقني جدا وأخشى من تشبع الأرض تحت المنزل بالمياه، كما أن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب، بل إنها تسببت في تشقق طبقات الاسفلت، ودمرت الأرصفة، ولا ننسى عدادات الكهرباء وتمديداتها وكذلك الهاتف، فمن غير المعقول أن تتسبب تسربات الشبكة بكل هذه التلفيات والخسائر».
الغرب .
.
مخاوف من الضنكفي الاتجاه نحو الغرب من مكة المكرمة يقع حي الحمراء بطابع معماري مميز، وأجواء هادئة منظمة، شوارع فسيحة، وحدائق، وخدمات وبنى تحتية متكاملة، كل هذا التناغم فقد ميزته واتزانه، عندما حولت المياه الجوفية المتسربة من شبكات التحلية، ركنه القصي باتجاه الجنوب الشرقي، إلى مستنقع دائم، اعشوشبت الأرض من حوله، وكان وما زال مصدرا للحشرات، وعلى رأسها البعوض الناقل لحمى الضنك، والتي لا تنفك مستشفيات مكة المكرمة عن الإعلان عنها كل عدة أسابيع، فاستحالت تلك البيوت الناعسة، إلى سهر لا ينتهي.
هذا ما أكده هتان حريري «تحولت حياتنا إلى جحيم لا يطاق وبخلاف الحشرات المتوالدة، ينتشر البعوض بشكل لا يطاق، سلب النوم من أعيننا ولو اقتصر الحال على ذلك لهان الأمر، لكن المخاوف والقلق من الإصابة بحمى الضنك أصعب من ذلك بكثير، خاصة بعد إصابة ثلاثة أشخاص بالحمى كلهم يسكنون منازل مجاورة لمنزلي، وسبق أن أبلغنا شركة المياه الوطنية عن هذا التسرب أكثر من مرة ولكن دون جدوى، ولا ندري متى ينتهي هذا الأمر، وهو لا يحتاج إلا لقليل من الاهتمام من قبل فرق الصيانة».
صيانة وقائيةإلى ذلك، أوضح مدير وحدة أعمال مكة المكرمة والطائف بشركة المياه الوطنية، المهندس عبدالله حسنين، أن أعمال الصيانة الوقائية تشمل الأجزاء الميكانيكية في شبكات المياه كالصمامات والعدادات وطفايات الحريق، وجميع هذه الأجزاء تتم صيانتها بشكل دوري، ووضع جداول سنوية وشهرية لهذا الغرض، أما فيما يخص أنابيب المياه فإن أعمال الصيانة تشمل إصلاح الانكسارات التي يتم اكتشافها عن طريق الفرق الميدانية أو بلاغات العملاء، والتسربات الجوفية الناتجة من انكسارات أنابيب الشبكة يتم إصلاحها مباشرة إذا كانت ظاهرة.
ولفت إلى أنه يوجد قسم كامل لاكتشاف التسربات وإصلاحها حيث أبرم أخيرا عقد مع أحد المقاولين لكشف وإصلاح التسربات في مكة المكرمة باستخدام أحدث الطرق المتبعة في هذا المجال كاستخدام غاز الهيليوم وأجهزة الموجات الصوتية للكشف على التسربات المخفية.
علت أصوات سكان العديد من أحياء العاصمة المقدسة بالشكوى من تسربات مياه التحلية التي تشكل هموما ومتاعب يومية بالنسبة لهم، إذ تمتد نحو الجهات الأربع مخلفة القلق، كونها بيئة خصبة لتوالد البعوض، علاوة على آثارها التي تتجلى في تشققات الاسفلت وتصدعات البنايات، فيما أنحى متضررون باللائمة على شركة المياه الوطنية بأنها تغض الطرف عن البلاغات ولم تسع لحل المشكلة جذريا.
سكان مكة يتقاسمون هموم ومتاعب تسربات المحلاة
6 دقائق للقراءة

حجم الخط
