اجتمع شباب من أبناء مكة المكرمة في (مشعر عرفات)؛ لاستعراض سياراتهم المعدَّلة على أصوات موسيقى صاخبة، بعد أن ضاقت بهم السبل، وشحت الأمكنة التي يمكن أن تستوعبهم، ويلتقون فيها لممارسة هذه (الهواية). وقال أحد الفضلاء؛ معلقاً على خبر أولئك الفتية، إن فعلهم: (انتهاك لحرمة المشعر ومجاهرة بالمعصية)، ورأى آخر أن ذلك الفعل: (مخالفة صريحة للدين). وذلك بحسب ما جاء في الخبر الصحفي الذي نشرته (مكة) على صدر صفحتها الأولى، مطلع هذا الأسبوع.
ويماثل حال (شباب مكة)؛ عشرات الحالات لفئات من الشباب في مختلف مناطق المملكة، التي تشكل نسبة الشباب من مجموع سكانها 65%،وهؤلاء الشباب
لا يجدون من يحفل بهم، أو ينصت لمتطلباتهم، ومقتضيات وموجبات المرحلة العمرية التي يمرون بها. فهم ممنوعون من دخول جلّ الأمكنة التي يختار بعضهم ارتيادها، وتندر إن لم تنعدم المرافق التي يمكن أن تستوعب مواهبهم، أو تصونها وتوجهها، وباتوا يشعرون أنهم فئة منبوذة مغضوب عليها، وغير مرغوب بها، تصرفاتهم مشينة، وسلوكهم سيئ، وأدمغتهم فارغة، إلى آخر النعوت والإسقاطات التي يحمَّلون إياها، وهم منها براء.
لا بدائل أمامهم، عن المقاهي والاستراحات، التي يبدد فيها بعضهم أوقات فراغهم، ويتخففون بها من روتينهم اليومي، فضلاً عن شُح فرص العمل أمامهم. وعدم ملاءمة المعروض من تلك الفرص لما تربَّوا عليه من مفاهيم وقيم وأفكار. وهي ليست قيماً أو مفاهيم صائبة فيما يتعلق بثقافة الوقت، والعمل والإنتاج والإبداع. على كل حال.
شبابنا في منطقة فراغ من المنظومة المؤسسية الحكومية للكيانات المعنية بفئات المجتمع. فلا يوجد غير مؤسسة التعليم بمستوياته المختلفة، التي تعنى بتعليمهم. وليست هذه المساحة هي التي تشغل بال من يفكر بأمرهم، وشؤونهم وشجونهم.
نحن نسأل عن حياتهم خارج ساعات التحصيل الدراسي، فهؤلاء طاقات.. بشر.. يشعرون ويدركون، ويفكرون. ويأملون، ويطمحون بمرافق تستوعبهم، وترعاهم خارج حظيرة التعليم.
وهؤلاء في عصر سريع التحول، مليء بالمتغيرات والاكتشافات، والمغريات، والمخاطر، ومتاحة لهم وسائل التواصل بتقنياتها المتعددة والمتنوعة، وأعداد كبيرة منهم عادوا من رحلات ابتعاث خارجية، احتكوا خلالها بمجتمعات، وتماسَّوا بعادات وتقاليد وثقافات.
وهؤلاء.. أضحى العالم أمامهم سافراً قريباً واضح المعالم. وهؤلاء من السهولة بمكان تأثرهم ببعضهم، والتأثير فيهم من غيرهم.
وهؤلاء.. لهم عقول يفكرون بها؛ يشاهدون، ويسمعون، ويفاضلون، ويرفضون، ويقبلون.
ولهم هموم وأذواق، وأمزجة، واختيارات، وهويات، وليس كلهم يشدُّه ويستدعي اهتمامه خطيب هنا أو واعظ هناك.
وهؤلاء.. ربما لم يسمعوا بشيء اسمه (بيوت الشباب)، أحد مرافق الرئاسة العامة لرعاية الشباب، التي ليست في وارد (رعاية الشباب) ولا هم يحزنون. ولو سمعوا بتلك (البيوت)، فلن يجدوا فيها بغيتهم، لأن فكرهم، وثقافتهم، واحتياجاتهم الوجدانية والترفيهية والاجتماعية، متقدمة جداً ومغايرة تماماً للأنظمة الإدارية وطبيعة المناشط والبرامج التي تقدمها تلك (البيوت)، وهي أنظمة وبرامج وأنشطة، أعدِّت،وصمِّمت، واختيرت منذ عشرات السنين، ومضى عليها وقت طويل، ولم يعد بوسعها تلبية احتياجات الشباب كماً وكيفاً، ناهيك عن تواضع منشآتها وتجهيزاتها. أما حاضنتها المؤسَّسية: الرئاسة العامة لرعاية الشباب، فمنذ إنشائها وهي مؤسسة راعية لكرة القدم فقط، وبعض الرياضات والألعاب الأخرى. وكذلك الأندية الرياضية،التي تقوم الرئاسة بالإشراف على أنشطتها، هي أندية رياضية فقط، وللمسجلين رسمياً في سجلاتها، وتعيش - كالرئاسة - مأزق التصنيف الوظيفي، فهي ليست (رياضية، اجتماعية، ثقافية) كما رُسم وكُتب على بواباتها، بل رياضية حصراً، ويكاد نشاطها يُختزل في كرة القدم؛ ولا أظن ثمة أجهزة رسمية أخرى معنية بالشباب غير هذه، وتلك.. فأين يذهب شبابنا؟؟
من يستوعبهم..؟ ومن يدير ويملأ أوقات فراغهم، ويحفل بمواهبهم وينميها؟ ومن يهذب نزعاتهم، ويستمع لهمومهم، ويصغي لصوت الإنسان في دواخلهم، ويستثمر طاقاتهم؟
ومن يرسم لهم طريقاً للحياة والمستقبل..؟ ويكرس فيهم قيمة ذواتهم.. وحاجة وطنهم لهم.. وحاجتهم لوطنهم..؟ ومن يرسم لهم مساحة للتعبير عن مقتضيات تحتمها المرحلة العمرية التي يمرون بها..؟
ماذا يفعل أبناؤنا..الشباب؟ حتى لا يقترفون (مخالفة صريحة للدين)، و حتى لا (يجاهرون بمعصية)..؟ أين يذهبوووووون..؟
شبابنا.. أين يذهبون؟!
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
