كم للأسواق الشعبية من حكايات شغف وعشق عندي، فهي تعيدني لعبق الماضي، وتجعلني عينا على مقدرات الشعوب وأصالتهم، أتلمس فيها طيب ما يزرعون، وأغبط ما تجود به عليهم طبيعة أراضيهم، وأثمن عرقهم وجهدهم، وإبداعهم ومهنهم الشعبية، وأنسجم مع طعم وذوق مشاعرهم، التي ينقلها لنا إنسان الزمان والمكان.
وقد زرت مؤخرا أحد الأسواق الشعبية الشرقية، وتمنيت أن تروا معي بأنفسكم ما شهدته، لتشعروا بمشاعري، وتنتقلوا معي بين أجوائه، المتنوعة المثيرة للدهشة.
لقد دخلت الجناح التركي، لأكتشف أن منتوجه الصناعي الحالي غير واضح المعالم، فكان السجاد التركي يحتوي رسوما سوداء مرعبة، وكتابات بخطوط متداخلة بالأحرف اللاتينية والعربية، ونقوشا أندلسية تضيع ملامحها بمحاكاة الثقافات الأوروبية.
خرجت منه مستاء من ذلك الخلط، لأجد نفسي في الجناح الإيراني وشهبندر التجار مختبئا خلف عمائم سوداء كانت تقلب حبات المكسرات المتحورة بفعل التلوث النووي، وخشيت الإشعاع، فهربت قبل أن تطبق علي أذرع الجناح المتمددة على كل الجوانب.
دخلت الجزء السوري المغبر، والذي كنت أعشق فيه الحلويات الشعبية، والفواكه المجففة، ولكني رأيتهم يعرضونها محترقة في براميل ملتهبة، فخشيت تفجرها، وغادرت جائعا، والخوف يسبق خطواتي لخارج الحدود.
دخلت الجناح الأردني، قليل البضائع، كثير الباعة المتجولون، وقادتني فوضى الخيام العشوائية، لبحر ميت.
وفي الجناح المصري وجدت فاكهة "المنجة" بلونين متباينين كتب على صناديقها (إنتاج سيناء)، ففهمت سبب تردي المنتوج، وخشيت أن أسأل البائع المتحمس المختبئ في أحد الأنفاق، فيثور في وجهي؛ ثم غادرت وهو يحقن حبات اللون الثاني بالقطران.
دقائق ووجدت نفسي في الجناح اليمني، وبائع القهوة الخولانية، يحوجها بالقات، وهو غير مكترث بمنظر الدود الدموي المنتشر بين حبات الزبيب الرازقي الأصيل.
وفي الجناح العراقي، شممت رائحة الفرقة، أقصد القرفة، وارتعبت بمنظر حلوى المن والسلوى، وقد تداخلت مع حبات التِمَن، وتجزأت إلى قطع متنافرة الألوان، متداخلة لزجة، والصراصير السوداء تعيث بين الصرر.
وقد شاهدت في جناح المغرب العربي العجب، فجلابيبهم خيطت بالأقمشة العسكرية المغبرة، وبضائعهم طغى فيها بيع السلاح، والزوارق الرثة، وأطواق النجاة من الغرق، المغلفة بشعار الموت الأسود.
وفي جناح السودان رأيت الفول السوداني والسوس ينخر أسنانه، وقشوره معفرة بغبار المخدرات.
وفي الجناح اللبناني رأيت الفواكه ملفوفة بورق سوليفان أسود، ومربوطة بنوابض تنذر بانفجار وشيك.
وختمت جولتي بالجناح الخليجي، فوجدت في الكويت مكبرات للصوت ذهبية، تستخدم للخناق، ولطلب العون.
وفي جناح البحرين حلوى بحرينية متحجرة قد تفيد في تفريق المتظاهرين.
وفي الإمارات كاميرات مجنونة تستطيع التقاط ظل أي إماراتي يمر وسط البائعين والمتبضعين.
وفي قطر شدتني كرات قدم أمريكية مقاومة للركل، رغم جلجلة تحصل بجوفها.
وفي جناح عُمان المظلم أكياس مرعبة، من الصِبر والبخور.
أحبتي لا تتعجلوا على رزقكم، فقريبا سآخذكم معي في جولة بأسواق الجنادرية.
shaher.
a@makkahnp.
com
السوق الشرقي الشعبي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
