أعلن القاص خالد الخضري التوقف عن كتابة القصة القصيرة نهائيا، وذلك بعد قيامه بتوقيع مجموعته القصصية الخامسة "أجساد نارية" في معرض الرياض الدولي للكتاب، ويكشف لـ "مكة" الأسباب.
1- لماذا قررت التوقف عن كتابة القصة؟ لأنني وجدت أنني اكتب لنفسي، وما أكتبه لا يقرأه أحد، حتى زملائي كتاب القصة، لا يقرأون لي ولا لغيري.
لماذا لا يقرأ القاصين ما يكتب الأخرون؟ قد يذكر البعض حلقة مسلسل طاش ما طاش حول الليبراليين، وتؤكد أنهم لا ينفعوا بعضهم البعض، ولا يقفوا مع صديقهم في الشدائد.
هذه هي حقيقة الصداقات بين الكتّاب، تجدهم يمجدون الشخص ـ نفاقا ـ أو لمصلحة ما، فإذا وقع في مأزق، لا تجد حوله أحد، وهم ذاتهم يمارسون العنصرية الفكرية، فالغيرة متأصلة بصورة قوية بينهم، رغم أن القمة تتسع للجميع.
هم يتمثلون بالمثل الشهير "صاحب صنعتي عدوي"، لهذا تجدهم يجاملون بعضهم البعض بإهداء كتبهم فور صدورها، لكن في الغالب لا يفكرون في قراءة نتاج زميلهم.
وربما يعود ذلك لتصورهم أن ما يقدمه الآخر من الكتاب العرب أو الأجانب أكثر أهمية من أن يضيع وقته في قراءة ما انتجه زميله من رواية وقصة وشعر وخلاف ذلك.
2- هل يعني ذلك أن هناك تراجعا في حجم الطباعة الورقية الأن؟ أتذكر في العام 2000م كان بيني وبين الكاتبة الكبيرة غادة السمان مراسلات أدبية، بدأنا بها عبر صحيفة الحياة الدولية، ومن خلال جهود الكاتب عبده وازن، ثم استمرت مراسلاتنا عبر رسائل البريد، قبل الثورة الإلكترونية التي لا تحب السمان التعامل معها، أو لا تجيدها، وعندما أخبرتها، أنني طبعت من مجموعتي القصصية الثانية: "امرأة من ثلج" التي صدرت في ذلك التاريخ، طبعت منها 3000 نسخة، بهرت وقالت: لماذا لم تقسمها إلى 3 طبعات؟، وأكدت لي أنهم لا يطبعون أكثر من ألف نسخة في الطبعة الواحدة.
هذه غادة السمان فما بالك بالآخرين، وهو حال معظم الكتاب والكاتبات، حتى المشاهير منهم، ربما لا يطبعون أعداد كبيرة في الطبعة الواحدة، إلا حالات قليلة ونادرة، سجلت أرقاماً أكبر.
طبعا أنا أتحدث عن بداية الألفية، قبل 15 عام من الآن، فما بالك بالواقع الحديث.
المطبوع يتراجع بصورة كبيرة، وينافسه المرئي، والمسموع، والأنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي التي تكاد تكون الضربة القاصمة، وبات لا وقت للقراءة حتى لدى الكتّاب أنفسهم.
وأصبح النخبة يكتبون للنخبة، ولم تعد للنخبة ذاتها جلد على القراءة، بالذات في المجال الإبداعي.
فالقصة والرواية والشعر، فنون بدأت تندثر، وستندثر لا محالة، ربما تكون الرواية ذات حضور، فيما يتراجع الشعر بصورة كبيرة، أما القصة فقد باتت تحتضر، لماذا أربط نفسي بجنس أدبي ميت؟ 3- هل نعلن بذلك موت القصة؟ فعلا، من خلال هذا الواقع الذي تحدثنا عنه، يمكن لنا أن نعلن عن موت هذا اللون من الإبداع، وقد بهرني قبل عامين الزميل الناقد معجب العدواني الذي قدم ورقة نقدية أشار فيها إلى انتهاء زمن القصة القصيرة، وباختصار فن ليس له جمهور ما هو الداعي لبقائه؟ 4- هل تتهم النقاد بإهمال القصة؟ لا أعرف لماذا تظل نظرتنا تقليدية للناقد ورسالته، وتظل نعتقد أن دور الناقد هو الترويج للعمل الإبداعي، وتحليل العمل الإبداعي، بينما رسالة الناقد تجاوزت هذا المفهوم المتواضع.
رسالة الناقد أصبحت الآن مشروع فكري متكامل مستند لرؤيا وتنظير، ربما تكشف عوار المشهد الثقافي، أو تضيء إلى نقاط مشيئة فيه.
الناقد الذي يتناول المشهد ككل، ويضع شواهد عليه من النتاج الإبداعي هو في ظني الأكثر كفاءة على التصدي للقضايا الثقافية والفكرية.
ومنهم عبدالله الغذامي الذي تحول بمشروعة من النقد البنيوي، إلى النقد الثقافي الذي بات ملاصقا ومعايشاً للمجتمع بصورة قوية، ليكون أشبه بعالم الاجتماع الذي يحلل ويرصد ظواهر هامة في المجتمع، تساعد أصحاب القرار على اتخاذ القرارات النافعة، وتكشف حقيقة مجتمعنا، وما وصل إليه.
فمراكز البحث في الغرب هي الأهم ويتم الصرف عليها بسخاء، لأنها الخطوة الأولى التي عبرها يمكن صناعة مجتمع، تطويره وبناءه، لا يتم ذلك ما لم نتمكن من معرفة حقيقة المجتمع وتوجهاته، وأزماته، واحتياجاته.
هذا كله ينتج عبر البحث والدراسة، والمثقفون، وعلى رأسهم النقاد وعلماء الاجتماع قادرين على تحقيق ذلك.
أما الناقد الذي يشتغل على دراسة رواية أو ديوان شعر أو مجموعة قصصية، فهو يظل محدود الرؤية، أقصد بذلك أننا إذا أردنا دراسة المجتمع، فيمكن لنا ذلك من خلال دراسة عدد كبير من الروايات لأكثر من اسم من مبدعينا، فهي قادرة على أن تكشف الكثير من الحقائق، لأنها تمثل التاريخ الحقيقي للشعوب، إذا كتبت في بيئة حرة.
5- دور الأندية الأدبية في المشهد الثقافي كيف تراه؟ الأندية الأدبية عاجزة عن حل مشاكلها الداخلية بين الأعضاء، فكيف لها أن تساهم في صناعة ثقافة مجتمعية راقية، وأصبحت عاجزة عن خدمة الأدباء في مناطقهم، لأنها بعد الانتخابات اعتمدت على التكتلات والشللية، لتقسيم الكعكة فيما بين الأعضاء العشرة.
أقولها وبكل صراحة، إذا لم تتمكن الوزارة وبشكل عاجل أن تحول هذه الأندية إلى مراكز ثقافية، وتضم إليها جمعيات الثقافة والفنون والمكتبة العامة وجميع الجهات الثقافية ذات العلاقة.
فإنها ستظل "مكانك راوح".
خاصة وأن الدولة تدعم وبسخاء النشاط الثقافي، يظهر ذلك من خلال الدعم الأخير للأندية.