لم تكن قضية (حرية التعبير) مطروحة في القرون الماضية؛ إذ كان من أهم مهمات الدولة – في العالم كله آنذاك - حماية الدين وملاحقة من يختلف معها دينيا أو مذهبيا، وهذا يستلزم بالضرورة منع التعبير عن غير ما يتفق مع فكر أو دين الدولة، ولهذا كانت قضية حرية الرأي، وحرية التعبير، وقبول التعددية الدينية قضايا غير مفكر فيها آنذاك، ولهذا من البدهي ألا نجد لها ذكرًا في كتابات القدماء، إذ لا نجد لمصطلح (الحرية) بمفهومها الحديث ذكرا في تنظيرات العلماء المسلمين في العصور الماضية، فهي ترد لديهم تعبيرا عن مفاهيم أخرى؛ كمفهوم الحرية مقابل العبودية في قضية الرق، ومفهوم حرية التصرف بالمال حين بلوغ الطفل الرشد، وفي حالة الحجر على السفيه والكبير الذي أصابه الخرف.
وفي العصر الحديث ونتيجة لإسهامات فلاسفة عصر التنوير الأوروبي ولد المفهوم السياسي الحديث للدولة في العالم الغربي؛ أي دولة المواطنة العابرة للأديان والأعراق والمذاهب، وترسخ منذ أواخر القرن الـ19 مبدأ تداول السلطة عن طريق الديمقراطية، وأصبحت (حرية التعبير) حقا أساسيّا من حقوق المواطن في الدولة الغربية، وأصبحت هي حجر الزاوية في التعبير عن الحرية التي ناضلت الشعوب الغربية من أجلها على امتداد ثلاثة قرون، واكتسبت قدسية خاصة؛ لأنها تمثل رمزًا للإرث النضالي لتلك الشعوب، وأي دعوة لتقييد تلك الحرية تعد – من وجهة نظر غربية – انتكاسة حضارية وتخليًّا عن مكسب استحقه الشعب نتيجة نضال شعبي طويل، أي إن قضية (حرية التعبير) وغيرها من الحريات الدينية والسياسية أصبحت من نسيج الثقافة الشعبية في الغرب.
وفي المقابل بقيت قضية (حرية التعبير) لدينا في عالمنا العربي قضية نخبوية؛ إذ إن مفهوم الدولة الحديثة (دولة المواطنة) لم يترسخ في عالمنا العربي - وإن اتخذت الدولة العربية مظهر الدولة الحديثة صوريًّا - والسبب في هذا أن تجربة الدولة الحديثة نقلت من فضاء فكري غربي إلى فضاء فكري مغاير كليًّا للفضاء الغربي، فتركب المشهد لدينا من مظهر غربي حديث، وبنية فكرية عميقة مغايرة وممانعة للفكر الغربي، وهذا ما أحدث ارتباكا في الموقف من (حرية التعبير).
وإذا كان الفكر الليبرالي العربي قد حسم موقفه من قضية التعبير؛ إذ إنها من الأبجديات التي يقوم عليها ذلك الفكر، فماذا عن الفكر الإسلامي وموقفه من حرية التعبير؟ لم أجد - بعد كثرة قراءة وبحث - حتى ساعتي هذه تنظيرات عميقة في الفكر الإسلامي عن حرية التعبير تجيب عن أسئلة ناتجة عن الإقرار بحرية التعبير؛ وإذا استثنينا الفكر السلفي الذي يعارض بشدة حرية التعبير، نجد موقف الفكر الإسلامي الحركي من حرية التعبير عائما غير واضح، وهو ذو شقين؛ شق تنظيري فكري، وهو في أغلبه يكتفي بالتنظير العام، كأن يتحدث أن الإسلام مع حرية التعبير، وأنه سمح لأصحاب الديانات الكتابية بالتعبير عن دينهم، ثم يطرح قيود فضفاضة مؤداها منع حرية التعبير كاشتراط ألا تعارض حرية التعبير فكر المجتمع، وشِقٌ آخر تطبيقي، وهو الرضا بالديمقراطية، وتكوين الأحزاب السياسية، والدخول في الانتخابات الديمقراطية، وهذه الممارسة هي تعبير ضمني عن الإيمان بحق حرية التعبير؛ لأن شرط الديمقراطية الحقيقية وجود حرية تعبير، لكن الممارسة السياسية ليست دليلا على الإيمان بحرية التعبير؛ إذ إن الممارسة السياسية غالبا خاصة للمصلحة، وليست تعبيرًا عن الإيمان بمبادئ.
وعليه فقضية (حرية التعبير) في الفكر الإسلامي المعاصر ما زال يكتنفها الغموض، فإذا كانت تنظيرات بعض أقطابه تنص على أن الإسلام – حسب تنظيراتهم – مع حرية التعبير، فإن الشيطان – كما يقال - في التفاصيل، والتفاصيل الدقيقة في موضوع حرية التعبير شائكة جدًا، فمن تلك التفاصيل: هل يرون السماح بتكوين أحزاب ذات أيديولوجية مخالفة جذريا للإسلام، وبوجود مؤسسات ومراكز تُـنظِّر للإلحاد وتدعو إليه، وبالردة عن الإسلام والتعبير عن هذه الردة في وسائل الإعلام، والسماح للفنون التعبيرية كالرقص والتمثيل والنحت والغناء إذا كانت تعبر عن أمور تختلف عن الإسلام جذريًّا، وغير ذلك من تفاصيل شائكة تفرضها حرية التعبير في الفكر المعاصر؟، وأحسب أن أي تنظير لحرية التعبير دون الحديث عن مثل هذه التفاصيل الشائكة يظل تنظيرًا عائما فضفاضًا مكرَّرا قاصرًا، لا يقدم رؤية تأصيلية لحرية التعبير تجيب عن إشكالياتها.
الفكر الإسلامي المعاصر ومعضلة حرية التعبير
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
